ابن رشد
269
تهافت التهافت
مواضع كثيرة . ويحتاج أيضا ذلك الجسم عندما يحرك أن يثبت على جسم له ساكن ، وذلك الجسم الساكن على جسم آخر ، ويمر الأمر إلى غير نهاية . ومحال أيضا أن يكون داخل العالم لأنه لو كان لأدراك بالحس إذ كل جسم داخل العالم محسوس وكان يحتاج أيضا إلى جسم آخر يحملها سوى الذي يديرها أو يكون الذي يديرها هو الذي يحملها ، ولكان الحامل محتاجا إلى حامل ، وكان يجب أن يكون غدد الأجسام المتنفسة المحركة بعدد حركات الأجرام السماوية ، وكان يسأل أيضا في هذه الأجسام هل هي مركبة من الأسطقسات الأربع فتكون كائنة فاسدة أو تكون بسيطة ، وإن كانت بسيطة فما طبيعتها ؟ وهذا كله مستحيل وبخاصة عند من وقف على طبائع الأجسام البسيطة وعرف عددها وعرف أنواع الأجسام المركبات منها ، فالاشتغال بهذا هنا لا معنى له وقد تبرهن في غير ما موضع أن هذه الحركة ليس قسرا إذ كانت مبدأ جميع الحركات وبوساطتها تفيض الحياة على حياة الموجودات فضلا عن الحركات . وأما التقدير الثاني : وهو أن يكون اللّه عز وجل يحركها من غير أن يخلق فيها قوة بها تتحرك ، فهو أيضا قول شنيع بعيد جدا مما يعقله الإنسان ، وهو شبيه بمن يقول : إن اللّه هو الملابس لجميع ما هاهنا ، والمحرك له وما يدرك من الأسباب والمسببات باطل ويكون الإنسان إنسانا ، لا بصفة خلقها اللّه فيه ، وكذلك سائر الموجودات ، وإبطال هذا هو إبطال المعقولات لأن العقل إنما يدرك الأشياء من جهة أسبابها وهو قول شبيه بقول من كان يقول من القدماء : إن اللّه موجود في كل شيء ، وهم الرواقيون وسنتكلم مع هؤلاء في الموضع الذي نذكر فيه إبطال الأسباب والمسببات . وأما العناد الثالث فهو يجري مجرى الطبع وهو أن يضع أن حركة السماء من قوة فيها طبيعية وصفة ذاتية لا عن نفس وأن برهانهم على نفي ذلك باطل من قبل أنهم بنوا برهانهم على أن حركة السماء لو كانت طبيعية لكان المكان المطلوب بحركتها الطبيعية هو بعينه المهروب عنه ، لأن كل جزء من السماء يتحرك إلى المواضع التي تحرك منها من قبل أن حركتها دورا . والحركة الطبيعية المكان الذي يهرب منه بالحركة ، هو غير المطلوب لأن الذي يتحرك منه هو العرضي والذي يتحرك إليه هو الطبيعي الذي يسكن فيه ، وهو وضع باطل من قبل أنهم وضعوا لأجزاء السماء حركات كثيرة لمتحركين كثيرين ، وذلك بحسب أصولهم لأنهم يقولون : إن الحركة الدورية واحدة ، وأن