ابن رشد
267
تهافت التهافت
السماء إرادية ، وأن السماء حيوان ، وهذا الذي ذكرناه ممكن وليس في دفعه إلا مجرد الاستبعاد . قلت : هذا باطل لأنه تبين عندهم أنه ليس خارج السماء جسم آخر ، ولا يمكن أن يكون داخل السماء وهذا الجسم إن حرك فلا بدّ أن يتحرك ويعود السؤال . قال أبو حامد : والثاني : هو أن يقال الحركة قسرية ومبدأها إرادة اللّه تعالى فإنا نقول : حركة الجسم إلى أسفل أيضا قسرية تحدث بخلق اللّه الحركة فيه ، وكذا القول في سائر حركات الأجسام التي ليست حيوانية . فيبقى استبعادهم أن الإرادة لم اختصت به وسائر الأجسام تشاركها في الجسمية ؟ فقد بينا أن الإرادة القديمة من شأنها تخصيص الشيء عن مثله وأنهم مضطرون إلى إثبات صفة هذا شأنها في تعيين جهة الحركة الدورية وفي تعيين موضع القطب والنقطة فلا نعيده . والقول الوجيز أن ما استبعدوه في اختصاص الجسم بتعلق الإرادة به من غير تميز بصفة ينقلب عليهم في تميزه بتلك الصفة ، فإنا نقول ولم تميز جسم السماء بتلك الصفة التي بها فارق غيره من الأجسام وسائر الأجسام أيضا أجسام فلم حصل فيه ما لم يحصل في غيره ؟ فإن علل ذلك بصفة أخرى توجه السؤال في الصفة الأخرى ، وهكذا يتسلسل إلى غير نهاية فيضطرون بالآخرة إلى التحكم في الإرادة وإن في المبادي ما يميز الشيء عن مثله فيخصصه بصفة عن أمثاله . قلت : أما أن الحجر يتحرك إلى أسفل بصفة فيه مخلوقة والنار إلى فوق والصفتان متضادتان فأمر معروف بنفسه والمكابرة في ذلك قحة وأكبر من ذلك أن يقال : إن الإرادة الأزلية تحدث الحركة فيها دائما من غير فعل يفعله المريد فيه وإن ذلك ليس مغروزا في طبيعته وإنها تسمى قسرا ، لأنه لو كان كذلك لم يكن للأشياء طبيعة أصلا ولا حقيقة ولا حد لأنه من المعروف بنفسه أنه إنما اختلفت طبائع الأشياء وحدودها من قبل اختلاف أفعالها ، كما هو من المعروف بنفسه أن كل حركة قسرية لجسم فإنما تكون عن جسم من خارج فلا معنى لهذا القول . وأما قوله : إن وضع فعل الموجود الصادر عنه يقتضي صفة خاصة أن السؤال يبقى في تلك الصفة وهو لم اختصت بذلك الموجود دون ما هو من جنسه مثال ذلك : إن الأرض والنار يشتركان في الجسمية فالقائل : إنما افترقا بصفة زائدة على الجسمية يلزمه أن يقال : ولم اختصت صفة النار بالنار وصفة الأرض بالأرض ، ولم لم يكن الأمر على القلب ؟ فإن هذا من قول من لا يضع