ابن رشد

265

تهافت التهافت

المحرك بغير واسطة وهو محال لأنه لو تحرك به من حيث أنه جسم وأنه خالقه للزم أن يتحرك كل جسم ، فلا بدّ وأن تختص الحركة بصفة بها يتميز عن غيره من الأجسام وتلك الصفة هي المحرك القريب : أما بالإرادة ، أو الطبع ، ولا يمكن أن يقال : إن اللّه تعالى يحركه بالإرادة لأن إرادته تناسب الأجسام نسبة واحدة فلم استعد هذا الجسم على الخصوص لأن يراد تحريكه دون غيره ، ولا يمكن أن يكون ذلك جزافا ، فإن ذلك محال كما سبق في مسألة حدوث العالم ، وإذا ثبت أن هذا الجسم ينبغي أن يكون فيه صفة هو مبدأ الحركة بطل القسم الأول وهو تقدير الحركة القسرية . فيبقى أن يقال هي طبيعية وهو غير ممكن ، لأن الطبيعة بمجردها قط لا تكون سببا للحركة لأن معنى الحركة هرب من مكان وطلب لمكان آخر فالمكان الذي فيه الجسم إن كان ملائما له فلا يتحرك عنه ، ولهذا لا يتحرك زق مملوء من الهواء على وجه الماء وإذا غمس في الماء تحرك إلى وجه الماء ، فإنه وجد المكان الملائم فسكن والطبيعة قائمة ولكن إن نقل إلى مكان لا يلائمه هرب منه إلى الملائم ، كما هرب من وسط الماء إلى حيز الهواء . والحركة الدورية لا يتصور أن تكون له طبيعية لأن كل وضع وأين يفرض الهرب منه فهو عائد إليه . والمهروب عنه بالطبع لا يكون مطلوبا بالطبع ولذلك لا ينصرف زق الهواء إلى باطن الماء ولا الحجر ينصرف بعد الاستقرار على الأرض فيفر إلى الهواء . فلم يبق إلا القسم الثالث وهي الحركة الإرادية . قلت : أما ما وضع في هذا القول من أن كل متحرك إما أن يتحرك من ذاته ، وإما أن يتحرك عن جسم من خارج ، وأن هذا هو الذي يسمى قسرا فمعروف بنفسه . وأما أن كل ما يتحرك من ذاته فليس المحرك فيه غير المتحرك ، فشئ ليس معروفا بنفسه وإنما هو مشهور . والفلاسفة يتكلفون البرهان على أن كل متحرك يتحرك من ذاته فله محرك موجود فيه هو غير المتحرك باستعمالهم مقدمات أخر معروفة بنفسها ، ومقدمات هي نتائج براهين آخر ، وهو أمر يوقف عليه من كتبهم . وكذلك ليس معروفا بنفسه أن كل متحرك يتحرك عن محرك من خارج فإنه ينتهي إلى متحرك من تلقائه . فهذه التي وضعت هاهنا على أنها مقدمات معروفة بنفسها فيها النوعان جميعا ؛ أعني أن منها : ما هي نتائج ، ومنها ما هي معروفة بنفسها . وأما أن المتحرك من ذاته لا من جسم من خارج هو متحرك إما من جوهره وطبيعته ، وإما من مبدأ فيه ، وأنه ليس يمكن فيه أن يتحرك عن شيء لا يحس ، ولا يلمس ، مقارن له من خارج كأنك قلت : ما ليس بجسم فإنه معروف بنفسه . وقد رام في هذا القول تكلف بيان ، وهو أنه لو كان الأمر كذلك لم تكن الحركة إلى فوق أولى بالنار منها بالأرض ، والأمر في ذلك معروف بنفسه . وأما أنه لا يتحرك بجوهره وطبيعته فهو بيّن في الأشياء التي تتحرك حينا وتسكن حينا ،