ابن رشد

262

تهافت التهافت

والمبصر ، فإذا جاز أن يكون جماد سببا لانطباع الصورة في الحدقة وهو معنى الأبصار ، فلم يستحيل أن يكون حدوث الحوادث سببا لحصول علم الأول بها فإن القوة الباصرة ، كما أنها مستعدة للإدراك ويكون حصول الشخص المتلون مع ارتفاع الحواجز سببا لحصول الإدراك ، فليكن ذات المبدأ الأول عندكم مستعدا لقبول العلم ويخرج من القوة إلى الفعل بوجود ذلك الحادث ، فإن كان فيه تغير القديم فالقديم المتغير عندكم غير مستحيل وإن زعمتم أن ذلك يستحيل في واجب الوجود ، فليس لكم على إثبات واجب الوجود دليل إلا قطع سلسلة العلل والمعلولات كما سبق وقد بينا أن قطع التسلسل ممكن بقديم متغير . والأمر الثالث : الذي يتضمنه هذا هو كون القديم متغيرا بغيره وإن ذلك يشبه التسخر واستيلاء الغير عليه ، فيقال : ولم يستحيل عند كم هذا وهو أن يكون هو سببا لحدوث الحوادث بوسائط ثم يكون حدوث الحوادث سببا لحدوث العلم له بها ، فكأنه هو السبب في تحصيل العلم لنفسه ولكن بالوسائط . وقولكم : إن ذلك يشبه التسخر فليكن كذلك فإنه لائق بأصلكم إذ زعمتم أن ما يصدر من اللّه تعالى يصدر على سبيل اللزوم والطبع ولا قدرة له على أن لا يفعل ، وهذا أيضا يشبه نوعا من التسخر ويشير إلى أنه كالمضطر في ما يصدر منه . فإن قيل : إن ذلك ليس باضطرار لأن كماله في أن يكون مصدرا لجميع الأشياء . فهذا ليس بتسخر ، فإن كماله في أن يعلم جميع الأشياء ولو قلنا حصل لنا علم مقارن لكل حادث لكان ذلك كمالا لنا لا نقصانا وتسخرا ، فليكن كذلك في حقه ، واللّه أعلم . قلت حاصل هذه المعاندة الأولى للفلاسفة وهي معاندة بحسب أقوالهم لا بحسب الأمر في نفسه هو أن يقال لهم : من أصولكم أن هاهنا قديما تحله الحوادث وهو الفلك فمن أين أنكرتم أن يكون القديم الأول محلا للحوادث ؟ والأشعرية إنما أنكرت ذلك من قبل أن كل ما تحله الحوادث عندهم فهو محدث . وهذه معاندة جدلية ، فإن الحوادث منها ما لا تحل القديم وهي الحوادث التي تغير جوهر المحل الحادثة فيه ، ومنها ما تحله وهي الحوادث التي لا تغير جوهر الحامل لها كالحركة في المكان للجسم المتحرك وكالأشفاف والإضاءة والقديم أيضا منه ما لا تحله حركة أصلا ولا تجددات أصلا ، وهو ما ليس بجسم ، ومنه ما تحله بعض الحركات وهو القديم الذي هو جسم كالأجرام السماوية ، وإذا كان هذا التفصيل تدعيه الفلاسفة فهذه المعاندة هي معاندة باطلة ، لأن الكلام إنما هو في القديم الذي ليس بجسم . ولما أتى بهذه المعاندة للفلاسفة أتى بجواب الفلاسفة في ذلك وحاصله : إنهم إنما منعوا أن يوجد له علم حادث من قبل أن العلم الحادث فيه لا يخلو أن