ابن رشد

261

تهافت التهافت

الناس اعتقاد هذا . ولذلك ليس هو من التعليم الشرعي ، ومن أثبته في غير موضعه فقد ظلم ، كما أن من كتمه عن أهله فقد ظلم . فإما أن الشيء الواحد له أطوار من الوجود فذلك معلوم من النفس . الاعتراض الثاني : قال أبو حامد : هو أن يقال : وما المانع على أصلكم من أن يعلم هذه الأمور الجزئية ، وإن كان يتغير ؟ وهلا اعتقدتم أن هذا النوع من التغير لا يستحيل عليه كما ذهب جهنّم من المعتزلة إلى أن علومه بالحوادث حادثة وكما اعتقد الكرامية من عند آخر هم أنه محل الحوادث ولم ينكر جماهير أهل الحق عليهم إلا من حيث أن المتغير لا يخلو عن التغير ، وما لا يخلو عن التغير والحوادث فهو حادث ، وليس بقديم ، وأما أنتم فمذهبكم أن العالم قديم وأنه لا يخلو عن التغير فإذا عقلتم قديما متغيرا فلا مانع لكم من هذا الاعتقاد . فإن قيل : إنما أحلنا ذلك لأن العلم الحادث في ذاته لا يخلو أما أن يحدث من جهته أو من جهة غيره ، وباطل أن يحدث منه ، فإنا بينا أن القديم لا يصدر منه حادث ولا يصير فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا فإنه يوجب تغيرا وقد قررناه في مسألة حدوث العالم وإن حصل ذلك في ذاته من جهة غيره فكيف يكون غيره مؤثرا فيه ومغيرا له حتى تتغير أحواله على سبيل التسخر والاضطرار من جهة غيره ؟ . قلنا : كل واحد من القسمين غير محال على أصلكم . أما قولكم : إنه يستحيل أن يصدر من القديم حادث فقد أبطلناه في تلك المسألة كيف وعندكم يستحيل أن يصدر من القديم حادث هو أول الحوادث فشرط استحالته كونه أولا وإلا فهذه الحوادث ليست لها أسباب حادثة إلى غير نهاية ، بل تنتهي بواسطة الحركة الدورية إلى شيء قديم هو نفس الفلك وحياته ، فالنفس الفلكية قديمة والحركة الدورية تحدث منها وكل جزء من الحركة يحدث وينقضي وما بعده متجدد لا محالة ، فإذا الحوادث صادرة من القديم عندكم ولكن إذا تشابه أحوال القديم تشابه فيضان الحوادث منه على الدوام ، كما يتشابه أحوال الحركة لما إن كانت تصدر من قديم متشابه الأحوال . فاستبان أن كل فريق منهم معترف بأنه يجوز صدور حادث من قديم إذا كانت تصدر على التناسب والدوام فلتكن العلوم الحادثة من هذا القبيل . وأما القسم الثاني : وهو صدور هذا العلم فيه من غيره فنقول : ولم يستحيل ذلك عندكم . وليس فيه إلا ثلاثة أمور ؟ . أحدها : التغير وقد بينا لزومه على أصلكم . والثاني : كون الغير سببا لتغير الغير وهو غير محال عندكم فليكن حدوث الشيء سببا لحدوث العلم به ، كما أنكم تقولون : تمثل الشخص المتلون بإزاء الحدقة الباصرة سبب لانطباع مثال الشخص في الطبقة الجليدية من الحدقة عند توسط الهواء المشف بين الحدقة