ابن رشد
260
تهافت التهافت
يجتمعان ؛ أعني الكلية والجزئية في معنى التعدد . وأما قوله : إن من يجعل من الفلاسفة علما واحدا بسيطا محيطا بالأجناس والأنواع من غير أن يكون هنالك تعدد واختلاف يقتضيه اختلاف الأنواع والأجناس وتباعدها بعضها من بعض ، فقد يجب عليه أن يجوز علما واحدا يحيط بالأشخاص المختلفة وأحوال الشخص الواحد المختلفة فهو بمنزلة من قال أنه إن وجد عقل يحيط بالأنواع والأجناس وهو واحد فقد يجب أن يوجد جنس واحد بسيط يحيط بالأشخاص المختلفة وهو قول سفسطاني ، لأن اسم العلم مقول عليهما باشتراك الاسم . وقوله : إن تعدد الأنواع والأجناس يوجب التعدد في العلم صحيح ، ولذلك المحققون من الفلاسفة لا يصفون علمه سبحانه بالموجودات لا بكلي ولا بجزئي . وذلك أن العلم الذي هذه الأمور لازمة له هو عقل منفعل ومعلول . والعقل الأول هو فعل محض وعلة ، فلا يقاس علمه على العلم الإنساني . فمن جهة ما لا يعقل غيره من حيث هو غير هو ، علم غير منفعل ، ومن جهة ما يعقل الغير من حيث هو ذاته هو علم فاعل . وتلخيص مذهبهم أنهم لما وقفوا بالبراهين على أنه لا يعقل إلا ذاته ، فذاته عقل ضرورة . ولما كان العقل بما هو عقل إنما يتعلق بالموجود لا بالمعدوم ، وقد قام البرهان على أنه لا موجود إلا هذه الموجودات التي نعلقها نحن فلا بد أن يتعلق عقله بها إذ كان لا يمكن أن يتعلق بالعدم ولا هنا صنف آخر من الموجودات يتعلق بها . وإذا وجب أن يتعلق بهذه الموجودات فأما أن يتعلق بها على نحو تعلق علمنا بها ، وأما أن يتعلق بها على وجه أشرف من جهة تعلق علمنا بها . وتعلق علمه بها على نحو تعلق علمنا بها مستحيل ، فوجب أن يكون تعلق علمه بها على نحو أشرف ووجود أتم لها من الوجود الذي تعلق علمنا بها . لأن العلم الصادق هو الذي يطابق الموجود فإن كان علمه أشرف من علمنا فعلم اللّه يتعلق من الموجود بجهة أشرف من الجهة التي يتعلق علمنا به . فللموجود إذا وجودان : وجود أشرف ووجود أخس ، والوجود الأشرف هو علة الأخس ، وهذا هو معنى قول القدماء أن الباري سبحانه هو الموجودات كلها ، وهو المنعم بها ، والفاعل لها ولذلك قال رؤساء الصوفية : لا هو إلا هو . ولكن هذا كله هو من علم الراسخين في العلم ولا يجب أن يكتب هذا ولا أن يكلف