ابن رشد
254
تهافت التهافت
فإنه قد سلف من قولنا : وجه برهانهم عليه بحسب ما يبقى من قوة البرهان عليه إذا وضع في هذا الكتاب : أعني أنه تنقص قوته ولا بد بمنزلة الشيء إذا خرج من موضعه الطبيعي . وأما ما حكاه أيضا عن احتجاج الفلاسفة في هذا بقولهم : إن الموجود إما أن يكون حيا أو ميتا ، والحي أشرف من الميت ، والمبدأ أشرف من الحي ، فهو حي ضرورة . فإذا فهم من الميت الموات كانت المقدمات مشهورة صادقة . وأما قوله : إنه يمكن أن يصدر مما ليس بحي حياة وعن ما ليس بعالم علم ويكون الشرف للمبدإ إنما هو من جهة ما هو مبدأ للكل فقط فقول كاذب : فإنه لو جاز أن يصدر عن ما ليس بحي حياة لجاز أن يصدر عما ليس بموجود موجود ، ولجاز أن يصدر أي شيء اتفق من أي شيء اتفق ولم يكن جملة بين الأسباب والمسببات موافقة لا في الجنس المقول بتقديم وتأخير ولا في النوع . وأما قوله : إن قولهم : إن ما هو أشرف من الحي فهو حي بمنزلة قول القائل : ما هو أشرف مما له سمع وبصر فله سمع وبصر ، وهم لا يقولون هذا ، لأنهم ينفون عن المبدأ الأول السمع والبصر . وإذا جاز عندهم أن يكون ما هو أشرف من السميع والبصير ليس بسميع ولا بصير فيجوز أن يكون ما هو أشرف من الحي ومن العالم غير حي ولا عالم ، وأيضا كما يجوز عندهم أن يصدر عما ليس له بصر ما له بصر ، كذلك يجوز أن يصدر عما ليس له علم ما له علم . وهذا الكلام هو سفسطاني مغلط جدا . فإنه إنما صار عندهم ما ليس له سمع ولا بصر أشرف مما لا سمع وبصر لا بإطلاق ، بل من جهة ما ليس له سمع ولا بصر أشرف مما له سمع وبصر لا بإطلاق ، بل من جهة ما له إدراك أشرف من البصر والسمع وهو العلم . فلما كان العلم ليس فوقه شيء في الشرف لم يجز أن يكون ما ليس بعالم أشرف مما هو عالم مبدأ كان أو غير مبدأ . وذلك أن المبادي لما كانت منها عالم ، ومنها غير عالم ، لم يجز أن يكون غير العالم منها أشرف من العالم كالحال في المعلولات العالمة وغير العالمة . فشرفية المبدأ ليس يمكن أن تفضل شرفية العلم إلا لو فضلت شرفية المبدأ الغير عالم شرفية المبدأ العالم . وليس يمكن أن تكون فضيلة المبدأ أشرف من فضيلة العلم . ولذلك وجب أن يكون المبدأ الذي في غاية الشرف في الغاية من الفضيلة وهي العلم .