ابن رشد
253
تهافت التهافت
الشاهد ، فهو صادر عنه بجهة أشرف من الإرادة ولا يعلم تلك الجهة إلا هو سبحانه . والبرهان على أنه مريد أنه عالم بالضدين ، فلو كان فاعلا من جهة ما هو عالم فقط لفعل الضدين معا وذلك مستحيل . فوجب أن يكون فعله أحد الضدين باختيار . ومما يلبسون به في هذا الباب قولهم : إن كل فعل إما أن يكون بالطبع أو بالإرادة ، وهم لا يفهمون معنى الطبع ولا معنى الإرادة . فإن معنى الطبع عند الفلاسفة يقع على معان : أولها صعود النار إلى فوق وهوى الأرض إلى أسفل ، وهذه الحركة إنما تصدر عن الموجود إذا لحقه أمر عارض وهو تكوّن الشيء في غير موضعه ، وهنالك قاسر يقسره ، والباري سبحانه منزه عن هذا الطبع . ويطلقون أيضا اسم الطبع على كل قوة يصدر عنها فعل عقلي مثل الأفعال التي تصدر عن الصنائع فبعضهم ينسب هذه الطبيعة إلى أنها عقل وبعضهم يقول : إن ليس لها عقل وإنما تفعل بالطبع وهم يقولون : إنها صادرة عن عقل لأنهم يشبهونها بالأمور الصناعية التي تتحرك من ذاتها وتصدر عنها أفعال مرتبة منتظمة ولذلك يقول أرسطو رئيسهم : إنه من الظاهر أن طبيعة العقل مستولية على الكل فما أبعد هذا الاعتقاد مما قولهم به أبو حامد . وأما من يضع حكما كليا أن العارف بذاته يعرف غيره الذي صدر عنه فإنه يلزمه أن من لا يعرف غيره لا يعرف ذاته ولما كان قد أبطل على ابن سينا قوله : إنه يعرف غيره بما ساق عليه من حجج الفلاسفة في ذلك ألزمه أن يكون الأول لا يكون الأول لا يعرف ذاته والإلزام صحيح . وأما ما حكاه عن الفلاسفة من احتجاجهم في هذا الباب بقولهم : إن من لا يعرف ذاته فهو ميت والأول لا يمكن أن يكون ميتا فهو قول إقناعي مؤلف من مقدمات مشهورة ، وذلك أن من ليس بحي فليس هو ميتا إلا أن يكون شأنه أن يقبل الحياة إلا أن يريد بميت ما يدل عليه لفظ موات وجماد فحينئذ يقتسم هذا التقابل الصدق والكذب . وذلك أن كل موجود فإما أن يكون حيا وإما جمادا هذا إذا فهمنا من الحياة أنها مقولة باشتراك الاسم على الأزلي والفاسد . وأما قوله : فإن عادوا إلى أن كل ما هو يرى عن المادة فهو عقل بذاته فيعقل نفسه فقد قلنا : إن ذلك تحكم لا برهان عليه .