ابن رشد
251
تهافت التهافت
المسألة الثانية عشر في تعجيز هم عن إقامة الدليل على أنه يعرف ذاته فنقول : المسلمون لما عرفوا حدوث العالم بإرادته استدلوا بالإرادة على العلم ، ثم بالإرادة والعلم جميعا على الحياة ، ثم بالحياة على أن كل حي يشعر بنفسه وهو حي فيعرف أيضا ذاته . فكان هذا منهجا معقولا في غاية المتانة . فأما أنتم فإذا نفيتم الإرادة والأحداث وزعمتم أن ما يصدر عنه يصدر بلزوم على سبيل الضرورة والطبع فأي بعد أن تكون ذاته ذاتا من شأنها أن يوجد منه المعلول الأول فقط ، ثم يلزم المعلول الأول المعلول الثاني إلى تمام ترتيب الموجودات ، ولكنه مع ذلك لا يشعر بذاته كالنار يلزم منها السخونة والشمس يلزم منها النور ، ولا يعرف واحد منهما ذاته كما لا يعرف غيره . بل ما يعرف ذاته يعرف ما يصدر عنه فيعرف غيره وقد بينا من مذهبهم أنه لا يعرف غيره وألزمنا من خالفهم في ذلك موافقتهم بحكم وضعهم فإذا لم يعرف غيره لم يبعد ألا يعرف نفسه . فإن قيل : كل من لا يعرف نفسه فهو ميت فكيف يكون الأول ميتا . قلنا : فقد لزمكم ذلك على مساق مذهبكم إذ لا فصل بينكم وبين من قال : كل من لا يفعل بإرادة وقدرة واختيار ولا يسمع ولا يبصر فهو ميت ، ومن لا يعرف غيره فهو ميت . فإن جاز أن يكون الأول خاليا عن هذه الصفات كلها فأي حاجة به إلى أن يعرف ذاته . فإن عادوا إلى أن كل بريء من المادة عقل بذاته فيعقل نفسه ، فقد بينا أن ذلك تحكم لا برهان عليه . وإن قالوا : البرهان عليه أن الموجود ينقسم إلى حي وميت ، والحي أقدم وأشرف من الميت والأول أقدم وأشرف فليكن حيا ، وكل حي يشعر بذاته إذ يستحيل أن يكون في معلولاته الحي وهو لا يكون حيا . قلنا : هذه تحكمات فإنا نقول لم يستحيل أن يلزم مما لا يعرف نفسه ما يعرف نفسه بالوسائط الكثيرة أو بغير واسطة ، فإن كان المحيل لذلك كون المعلول أشرف من العلة فلم يستحيل أن يكون المعلول أشرف من العلة وليس هذا بديهيا . ثم بم تنكرون أن شرفه في أن الوجود الكلي تابع لذاته لا في علمه والدليل عليه أن غيره ربما عرف أشياء سوى ذاته ويرى