ابن رشد
249
تهافت التهافت
غيره إذ لا بد أن يعرف ما فعل وجملة المقدمات التي يحكيها عن ابن سينا في تثبيت هذا المذهب ويستعملها هو أيضا في معاندته هي مأخوذة من الأمور المعروفة من الإنسان ويروم نقلتها إلى الباري سبحانه ، وذلك لا يصح لأن المعرفتين مقولة باشتراك الاسم . وذلك أن ما يقوله ابن سينا : إن كل عاقل يصدر عنه فعل ما فهو عالم بذلك الفعل ، هي مقدمة صادقة لكن لا على نحو علم الإنسان بالشيء الذي يعقله . لأن عقل الإنسان مستكمل بما يدركه ويعقله وينفعل عنه وسبب الفعل فيه هو التصور بالفعل . وبما يوجد في هذا الجنس من المقدمات يرد عليه أبو حامد وذلك أن كل من يفعل من الناس فعلا ويلزم عن ذلك الفعل فعل آخر وعن الثاني ثالث وعن الثالث رابع ، فليس يلزم أن يعرف الفاعل العاقل اللوازم التي تلزم عن فعله الأول . ويقول له : إن هذا أمر موجود في الذي يفعل بإرادة فكيف إذا وضعتم عالما لا يفعل بإرادة ، وإنما قال هذا لأن الذي اعتمد هو في تثبيت العلم للباري سبحانه تثبيت الإرادة له . ولهذا قال : « فهذا لازم لا جواب عنه » ؛ يعني في أنه ليس يلزم أن يكون الأول يعقل عنده من الغير إلا الفعل الذي لزم عنه أولا ، وهو العلة الثانية ، والمعلول الأول . وكذلك ما حكي عنه من أنه لو كان يعقل ذاته ولا يعقل غيره لكان الإنسان أشرف منه ، وعلة وجود الإقناع في هذا القول أنه : متى توهم الإنسان إنسانين : أحدهما لا يعقل إلا ذاته ، والآخر يعقل ذاته وغيره ، حكم أن العقل الذي يعقل ذاته وغيره أشرف من الذي يعقل ذاته ويعقل غيره ، فأما من عقله باشتراك الاسم مع هذا العقل من قبل أن أحدهما فاعل لا منفعل ، والآخر منفعل لا فاعل ، فليس تصح هذه النقلة . ولما احتج عن ابن سينا بمقدمة يسملها هو في كل ذي عقل وهو أن الأكثر علما أشرف ، وكان فيما زعم أن نفي الفلاسفة الإرادة ونفيهم الحدوث هو الذي أوجب عليهم أن لا يقدروا أن يثبتوا أن الأول يعلم غيره ، لأنه إنما يعلم الفاعل العاقل مفعولة الذي هو غيره من حيث هو مريد له ، قال : إن هذه الشناعة إنما تلزم الفلاسفة فقط . يريد كون المعلول الذي هو الإنسان أشرف من العلة الذي هو الخالق سبحانه لأنهم إذا نفوا حدوث العالم كما زعم نفوا الإرادة ، وإذا انتفت الإرادة انتفى أن يعلم ما يصدر عنه ، وهذا كله قد تقدم أنه ليس بصحيح ؛ أعني نفي الإرادة عن الباري سبحانه ، وإنما ينفون الإرادة المحدثة .