ابن رشد
248
تهافت التهافت
فإن قيل : لو قضينا بأنه لا يعرف إلا نفسه لكان ذلك في غاية الشناعة ، فإن غيره يعرف نفسه ويعرف غيره فيكون في الشرف فوقه ، وكيف يكون المعلول أشرف من العلة ؟ . قلت : هذا الجواب ناقص فإنه عارض فيه المعقول بالشنيع . ثم جاوب هو فقال : قلنا : هذه الشناعة لازمة من مفاد الفلاسفة في نفي الإرادة ونفي حدث العالم ، فيجب ارتكابها كما ارتكب سائر الفلاسفة ولا بد من ترك الفلسفة ، والاعتراف بأن العالم حادث بالإرادة . قلت : يريد أنه يجب عليهم إن كانوا ممن أوجبوا أنه يعرف مصنوعه من قبل الشناعة أن يلتزموا هذه الشناعة كما قالوا بشناعة أخرى من قدم العالم ونفي الإرادة . وهم لم ينفوا الإرادة وإنما نفوا الجزء الناقص منها . ثم قال : بم تنكرون على من قال من الفلاسفة : إن ذلك ليس بزيادة شرف فإن العلم إنما احتاج إليه غيره ليستفيد كما لا فإنه في ذاته قاصر ، والإنسان شرف بالمعقولات إما ليطلع على مصلحته في العواقب في الدنيا والآخرة وأما لتكمل ذاته المظلمة الناقصة وكذا سائر المخلوقات ، وإما ذات اللّه تعالى فمستغنية عن التكميل ، بل لو قدر له علم يكمل به لكان ذاته من حيث ذاته ناقصا . وهذا كما قلت في السمع والبصر وفي العلم بالجزئيات الداخلة تحت الزمان ، فإنك وافقت سائر الفلاسفة بأن اللّه تعالى منزه عنه وأن التغيرات الداخلة في الزمان المنقسمة إلى ما كان ويكون لا يعرفها الأول لأن ذلك يوجب تغيرا في ذاته وتأثرا ولم يكن في سلب ذلك عنه نقصان ، بل هو كمال وإنما النقصان في الحواس والحاجة إليها ولولا نقصان الآدمي لما احتاج إلى حواس لتحرسه عما يتعرض للتغير له . وكذلك العلم بالحوادث الجزئية زعمتم أنه نقصان . فإذا كنا نعرف الحوادث كلها وندرك المحسوسات كلها والأول لا يعرف شيئا من الجزئيات ولا يدرك شيئا من المحسوسات ، ولا يكون ذلك نقصانا ، فالعلم بالكليات العقلية أيضا يجوز أن يثبت لغيره ولا يثبت له ولا يكون ذلك نقصانا أيضا وهذا لا مخرج عنه . قلت : هذه حجة من يقول : إنه لا يعرف إلا ذاته وقد حكينا مذهب القوم في الجمع بين قولهم : إنه لا يعرف إلا ذاته ، وإنه يعرف جميع الموجودات ولذلك يقول بعض مشاهيرهم أن الباري سبحانه هو الموجودات كلها ، وأنه المنعم بها ، فلا معنى لتكرير القول في ذلك . والمقدمات المستعملة في هذا الفصل مشهورة جدلية لأنها كلها من باب قياس الغائب على الشاهد اللذين لا يجمعهما جنس ولا بينهما مشاركة أصلا . وبالجملة فكلامه في هذا الفصل مع ابن سينا لما احتج بقول من يقول من الفلاسفة : إنه يعلم ذاته ويعلم