ابن رشد

245

تهافت التهافت

القوة كانت عقلا وهذا كله قد ثبت بترتيب برهاني وأقيسة طبيعية ليس يمكن أن تتبين في هذا الموضع بالترتيب البرهاني ، إلا لو اجتمع ما شأنه أن يكتب في كتب كثيرة مختلفة في موضع واحد ، وذلك شيء يعرفه من ارتاض في صناعة المنطق أدنى ارتياض أنه غير ممكن . فمن هذا النحو من الطرق وقفوا على أن ما ليس منفعلا أصلا فهو عقل وليس بجسم ، لأن كل منفعل جسم عندهم في مادة . فوجه الاعتراض على الفلاسفة في هذه الأشياء إنما يجب أن يكون في الأوائل التي استعملوها في بيان هذه الأشياء ، لا في هذه الأشياء أنفسها التي اعترض عليهم هذا الرجل . فبهذا وقفوا على أن هاهنا موجودا هو عقل محض ، ولما رأوا أيضا النظام هاهنا في الطبيعة وفي أفعالها يجري على النظام العقلي الشبيه بالنظام الصناعي علموا أن هاهنا عقلا هو الذي أفاد هذه القوى الطبيعية أن يجري فعلها على نحو فعل العقل ، فقطعوا من هذين الأمرين على أن ذلك الموجود الذي هو عقل محض هو الذي أفاد الموجودات الترتيب والنظام الموجود في أفعالها . وعلموا من هذا كله أن عقله ذاته هو عقله الموجودات كلها وأن مثل هذا الموجود ليس ما يعقل من ذاته هو غير ما يعقل من غيره ، كالحال في العقل الإنساني . وإنه لا يصح فيه التقسيم المتقدم وهو أن يقال كل عقل : فإما أن يعقل ذاته أو غيره ، أو بعقلهما جميعا ، ثم يقال أنه إن عقل غيره فمعلوم أنه يعقل ذاته وإما إن عقل ذاته فليس يجب أن يعقل غيره وقد تكلمنا في هذا فيما تقدم . وكل ما تكلم فيه من القياس الشرطي الذي صاغه على ما تأوله فليس بصحيح وذلك أن القياس الشرطي لا يصح إلا حتى يتبين المستثنى منه ، واللزوم بقياس حملي إما واحدا وإما أكثر من واحد . والقياس الصحيح الشرطي في هذه المسألة هو هكذا إن كان ما ليس يعقل هو في مادة . فما ليس في مادة فهو يعقل ، وذلك إذا تبين صحة هذا الاتصال وصحة المستثنى ، وهي المقدمات التي قلنا أنها عندهم نتائج ، ونسبها هذا الرجل إليهم على أنها عند هم أوائل أو قريبة من الأوائل . وإذا تأول على ما قلناه كان قياسا صحيح الشكل صحيح المقدمات . أما صحة شكله فإن الذي استثنى منه هو مقابل التالي فأنتج مقابل القدم ، لا كما زعم هو أنهم استثنوا مقابل المقدم وأنتجوا مقابل التالي ، لكن لما