ابن رشد

242

تهافت التهافت

العلمية ، ولعل الظاهرية في الأمور العلمية أسعد من الظاهرية في الأمور العملية . والسائل من المتخاصمين في أمثال هذه الأشياء ليس يخلو أن يكون من أهل البرهان أو لا يكون ، فإن كان من أهل البرهان تكلم عنه على طريقة البرهان وعرف أن هذا النحو من التكلم هو خاص بأهل البرهان ، وعرف بالمواضع التي نبه الشرع أهل هذا الجنس من العلم على ما أدى إليه البرهان ، وإن لم يكن من أهل البرهان فلا يخلو ، أن يكون مؤمنا بالشرع أو كافرا ، فإن كان مؤمنا عرف أن التكلم في مثل هذه الأشياء حرام بالشرع ، وإن كان كافرا لم يبعد على أهل البرهان معاندته بالحجج القاطعة له . هكذا ينبغي أن يكون حال صاحب البرهان في كل شريعة وبخاصة شريعتنا هذه الإلهية التي ما من مسكوت عنه فيها من الأمور العلمية إلا وقد نبه الشرع على ما يؤدي إليه البرهان فيها وسكت عنها في التعليم العام . وإذ قد تقرر هذا فلنرجع إلى ما كنا بسبيله مما دعت إليه الضرورة وإلا فالله العالم والشاهد والمطلع إنا ما كنا نستجيز أن نتكلم في هذه الأشياء هذا النحو من التكلم . ولما وصف أبو حامد الطرق التي منها أثبت المتكلمون صفة العلم وغيرها على أنه في غاية البيان لكونها في غاية الشهرة وفي غاية السهولة في التصديق بها أخذ يقايس بينها وبين طرق الفلاسفة في هذه الصفات وذلك فعل خطبي . فقال : فأما أنتم - ( مخاطبا للفلاسفة ) - فإذا زعمتم أن العالم قديم لم يحدث بإرادته فمن أين عرفتم أنه يعرف غير ذاته فلا بدّ من الدليل عليه . ثم قال : وحاصل ما ذكره ابن سينا في تحقيق ذلك في أدراج كلامه يرجع إلى فنين . الأول : إن الأول موجود لا في مادة وكل موجود لا في مادة فهو عقل محض فجميع المعقولات مكشوفة له فإن المانع عن درك الأشياء كلها التعلق بالمادة والاشتغال بها . ونفس الآدمي مشغول بتدبير المادة أي البدن وإذا انقطع شغله ولم يكن قد تدنس بالشهوات البدنية والصفات الرذيلة المتعدية إليه من الأمور الطبيعية انكشف له حقائق المعقولات كلها ،