ابن رشد
24
تهافت التهافت
النفس بحذر شديد ، وهو لا يخفي شعوره بصعوبة دراسة النفس لأن الكلام في أمر النفس غامض جدا ، وأن اللّه تعالى اختص به من الناس العلماء الراسخين في العلم » « 1 » . وبعد هذه الإشارات إلى أهم المسائل التي عالجها ابن رشد في كتاب تهافت التهافت ومواقفه من الغزالي والمتكلمين والفلاسفة المشائين في الإسلام ، يهمنا أن نلفت الانتباه إلى الفيض الكبير من التحديدات والإيضاحات للمصطلحات والمفاهيم التي تشكل القواعد والأسس للفكر العربي والإسلامي . وإيضاحات « 2 » ابن رشد للمصطلحات الفكرية العربية تلقي الكثير من الضوء على ما صار إليه الفكر الفلسفي في القرن الثاني عشر . والواقع أن فهم ابن رشد لفلسفة أرسطو وإعجابه بها لم يتناقض مع كونه مؤمنا بالشريعة الإسلامية . ولكنه لم يسلك طريق المشائين الإسلاميين في ارتمائهم بأحضان الأفلاطونية المحدثة لأنه يعتبر أن الفهم الصحيح لفلسفة أرسطو يساعد على الإيمان ويرسخه . وتجربة ابن رشد النقدية لجميع المذاهب والتيارات الفكرية والفلسفية - وهي تجربة فريدة في الفكر العربي والإسلامي - لم تكن بهدف إلغاء الفكر الفلسفي أو إعلان تهافته ، بل بهدف تقويمه وبعثه من جديد ، وليجعل من حملته والمشتغلين فيه « ورثة الأنبياء » « 3 » والذين يحق فيهم قوله تعالى : الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ .
--> ( 1 ) المصدر نفسه ، النص ، ص 311 . ( 2 ) نظرا لأهمية التعريفات والإيضاحات للمفاهيم الفلسفية قمنا بإبرازها في النص لجهة تمييزها باللون الأسود ، ثم أحصيناها في فهرس خاص . انظر ص 336 . ( 3 ) انظر نص تهافت التهافت ، ص 326 .