ابن رشد

239

تهافت التهافت

المسألة الحادية عشر في تعجيز من يرى منهم أن الأول يعلم غيره ويعلم الأجناس والأنواع بنوع كلي قال أبو حامد : فنقول : أما المسلمون فلما انحصر عندهم الوجود : في حادث وقديم ، ولم يكن عندهم قديم إلا اللّه وصفاته وما عداه حادث من جهته بإرادته حصل عندهم مقدمة ضرورية في علمه ، فإن المراد بالضرورة لا بد أن يكون معلوما للمريد فبنوا عليه أن الكل معلوم له . لأن الكل مراد له وحادث بإرادته فلا كائن إلا وهو حادث بإرادته ، ولم يبق إلا ذاته ومهما ثبت أنه مريد عالم بما أراده فهو هي بالضرورة ، وكل حي يعرف غيره فهو بأن يعرف ذاته أولي فصار الكل عندهم معلوما للّه تعالى ، وعرفوه بهذا الطريق بعد أن بان لهم أنه مريد لأحداث العالم . قلت : هذا القول إنما قدمه توطئة ليقايس بينه وبين قول الفلاسفة في العلم القديم لكون هذا القول أقنع في بادئ الرأي من قول الفلاسفة . وذلك أن المتكلمين إذا حقق قولهم وكشف أمرهم مع من ينبغي أن يكشف ظهر أنهم إنما جعلوا الإله إنسانا أزليا . وذلك أنهم شبهوا العالم بالمصنوعات التي تكون عن إرادة الإنسان وعلمه وقدرته ، فلما قيل لهم أنه يلزم أن يكون جسما قالوا : إنه أزلي ، وإن كل جسم محدث فلزمهم أن يضعوا إنسانا في غير مادة فعالا لجميع الموجودات ، فصار هذا القول قولا مثاليا شعريا . والأقوال المثالية مقنعة جدا إلا أنها إذا تعقبت ظهر اختلالها . وذلك أنه لا شيء أبعد من طباع الموجود الكائن الفاسد من طباع الموجود الأزلي ، وإذا كان ذلك كذلك لم يصح أن يوجد نوع واحد مختلف بالأزلية وعدم الأزلية ، كما يختلف الجنس الواحد بالفصول المقسمة له . وذلك أن تباعد الأزلي من المحدث أبعد من تباعد الأنواع بعضها من بعض المشتركة في الحدوث . فإذا كان بعد الأزلي من غير الأزلي أشد من