ابن رشد
237
تهافت التهافت
الوجود في إثبات موجود ليس بجسم . وذلك أن هذه الطريقة لم تسلكها القدماء ، وإنما أول من سلكها فيما وصلنا ابن سينا وقد قال : إنها أشرف من طريقة القدماء . وذلك أن القدماء إنما صاروا إلى إثبات موجود ليس بجسم هو مبدأ للكل من أمور متأخرة وهي الحركة والزمان . وهذه الطريقة تفضي إليه فيما زعم ؛ أعني إلى إثبات مبدأ بالصفة التي أثبتها القدماء من النظر في طبيعة الموجود بما هو موجود . ولو أفضت لكان ما قال صحيحا ، لكنها ليس تفضي ، وذلك أن واجب الوجود بذاته إذا وضع موجودا فغاية ما ينتفي عنه أن يكون مركبا من مادة وصورة ، وبالجملة أن يكون له حد ، فإذا وضع موجودا مركبا من أجزاء قديمة من شأنها أن تتصل بعضها ببعض كالحال في العالم وأجزائه صدق على العالم وأجزائه أنه واجب الوجود . هذا كله إذا سلمنا أن هاهنا موجودا هو واجب الوجود . وقد قلنا نحن : إن الطريقة التي سلكها في إثبات موجود بهذه الصفة ليست برهانية ولا تفضي بالطبع إليها إلا على النحو الذي قلنا . وأكثر ما يلزم هذا القول أعني ضعف هذه الطريقة عند من يضع أن هاهنا جسما بسيطا غير مركب من مادة وصورة وهو مذهب المشائين . لأن من يضع مركبا قديما من أجزاء بالفعل فلا بدّ أن يكون واحدا بالذات . وكل وحدة في شيء مركب فهي من قبل واحد هو واحد بنفسه ؛ أعني بسيطا ، ومن قبل هذا الواحد صار العالم واحدا ، ولذلك يقول الإسكندر : إنه لا بد أن تكون هاهنا قوة روحانية سارية في جميع أجزاء العالم كما يوجد في جميع أجزاء الحيوان الواحد قوة تربط أجزاءه بعضها ببعض ، والفرق بينهما أن الرباط الذي في العالم قديم من قبل أن الرابط قديم ، والرباط الذي بين أجزاء الحيوان هاهنا كائن فاسد بالشخص غير كائن ولا فاسد بالنوع من قبل الرباط القديم من قبل أنه لم يمكن فيه أن يكون غير كائن ولا فاسد بالشخص ، كالحال في العالم . فتدارك الخالق سبحانه هذا النقص الذي لحقه بهذا النوع من التمام الذي لا يمكن فيه غيره كما يقوله أرسطو في كتاب « الحيوان » . وقد رأينا في هذا الوقت كثيرا من أصحاب ابن سينا لموضع هذا الشك قد تأولوا على ابن سينا هذا الرأي وقالوا : إنه ليس يرى أن هاهنا مفارقا وقالوا : إن ذلك يظهر من قوله في واجب الوجود في مواضع ، وإنه المعنى الذي أودعه في فلسفته المشرقية . قالوا : وإنما سماهما فلسفة مشرقية لأنها مذهب أهل