ابن رشد

233

تهافت التهافت

أن يكون عليها السماء هو لعلة مخصصة ، والمخصص قد يكون قديما ، فإن هذا الرجل قد غالط في هذا المعنى أو غلط . فإن التخصيص الذي ألزمته الفلاسفة غير التخصيص الذي أرادته الأشعرية . وذلك أن التخصيص الذي تريده الأشعرية إنما هو تمييز الشيء إما من مثله وإما من ضده من غير أن يقتضي ذلك حكمة في نفس الشيء اضطرت إلى تخصيص أحد المتقابلين . والفلاسفة في هذا الموضع إنما أرادوا بالمخصص الذي اقتضته الحكمة في المصنوع وهو السبب الغائي . فإنه ليس عند الفلاسفة كمية في موجود من الموجودات ولا كيفية ألا وهي الغاية في الحكمة التي لا تخلو من أحد أمرين : إما أن يكون ذلك أمرا ضروريا في طباع فعل ذلك الموجود ، وإما أن يكون فيه من جهة الأفضل . فإنه لو كان عندهم في المخلوقات كمية أو كيفية لا تقتضي حكمة لكانوا قد نسبوا الصانع الخالق الأول في ذلك إلى ما لا يجوز نسبته إلى الصناع المخلوقين إلا على جهة الذم لهم ، وذلك أنه لا عيب أشد من أن يقال : وقد نظر إلى مصنوع ما في كمية وكيفية لم اختار صانع هذا المصنوع هذه الكمية وهذه الكيفية دون سائر الكميات ودون سائر الكيفيات الجائزة فيه ، فيقال : لأنه أراد ذلك لا لحكمة وعبرة في المصنوع وكلها متساوية في غاية هذا المصنوع الذي صنعه الصانع من أجله ؛ أعني من أجل فعله الذي هو الغاية وذلك أن كل مصنوع فإنما يفعل من أجل شيء ما ، وذلك الشيء لا يوجد صادرا عن ذلك المصنوع إلا وذلك المصنوع مقدر بكمية محدودة ، وإن كان لها عوض في بعض المصنوعات وكيفية محدودة وطبيعة محدودة ، ولو كان أي مصنوع اتفق يقتضي أي فعل اتفق لما كانت هاهنا حكمة أصلا في مصنوع من المصنوعات ولا كانت هاهنا صناعة أصلا ، ولكانت كميات المصنوعات وكيفياتها راجعة إلى هوى الصانع ، وكان كل إنسان صانعا أو نقول : إن الحكمة إنما هي في صنع المخلوق لا في صنع الخالق نعوذ بالله من هذا الاعتقاد في الصانع الأول . بل نعتقد أن كل ما في العالم فهو لحكمة ، وإن قصرت عن كثير منها عقولنا ، وإن الحكمة الصناعية إنما فهمها العقل من الحكمة الطبيعية ، فإن كان العالم مصنوعا واحدا في غاية الحكمة فهنا ضرورة حكيم واحد هو الذي افتقرت إلى وجوده السماوات والأرضون ومن فيها . فإنه ما من أحد يقدر أن يجعل المصنوع من الحكمة العجيبة علة نفسه . فالقوم من حيث أرادوا أن ينزهوا الخالق الأول أبطلوا الحكمة في حقه وسلبوه أفضل صفاته .