ابن رشد
232
تهافت التهافت
صنع من هذا الشر عليه أغلب من الخير في حق الحق ، ولذلك علم اللّه ما كنت أنقل في هذه الأشياء قولا من أقاويلهم ولا استجيز ذلك لولا هذا الشر اللاحق للحكمة ؛ وأعني بالحكمة النظر في الأشياء بحسب ما تقتضيه طبيعة البرهان . قال أبو حامد مجيبا عن الفلاسفة : فإن قيل : الجسم الأقصى أو الشمس ، أو ما قدر من الأجسام فهو متقدر بمقدار يجوز أن يزيد عليه وينقص منه فيفتقر اختصاصه بذلك المقدار الجائز إلى مخصص فلا يكون أولا . قلنا : بم تنكرون على من يقول أن ذلك الجسم يكون على مقدار يجب أن يكون غاية لنظام الكل ، ولو كان أصغر منه أو أكبر لم يجز كما أنكم قلتم أن المعلول الأول يقتضي الجرم الأقصى منه متقدرا بمقدار وسائر المقادير بالنسبة إلى ذات المعلول متساوية ولكن تعين بعض المقادير لكون النظام متعلقا به فوجب المقدار الذي وقع ولم يجز خلافه فكذا إذا قدر غير معلول . بل لو أثبتوا في المعلول الأول الذي هو علة الجرم الأقصى عند هم مبدأ للتخصيص مثل إرادة مثل لم ينقطع السؤال إذ يقال : ولم أراد هذا المقدار دون غيره كما ألزموه على المسلمين في إضافتهم الأشياء إلى الإرادة القديمة وقد قلبنا ذلك عليهم في تعين جهة حركة السماء وفي تعين نقطتي القطبين . فإذا بان أنهم مضطرون إلى تجويز تميز الشيء عن مثله والوقوع بعلة فتجويزه بغير علة كتجويزه بعلة إذ لا فرق بين أن يتوجه السؤال في نفس الشيء فيقال لم اختص بهذا القدر وبين أن يتوجه في العلة فيقال : ولم خصصه بهذا القدر عن مثله فإن أمكن دفع السؤال عن العلة بأن هذا المقدار مثل غيره إذ النظام مرتبط به دون غيره أمكن دفع السؤال عن نفس الشيء ولم يفتقر إلى علة ، وهذا ما لا مخرج عنه فإن المقدار المعين الواقع إن كان مثل الذي لم يقع فالسؤال متوجه إنه كيف ميز الشيء عن مثله خصوصا على أصلهم وهم ينكرون الإرادة المميزة وإن لم يكن مثلا فلا يثبت الجواز بل يقال وقع كذلك قديما كما وقعت العلة القديمة بزعمهم . وليستمد الناظر في هذا الكلام مما أوردناه لهم من توجيه السؤال في الإرادة القديمة وقلبنا ذلك عليهم في نقطة القطب وجهة حركة الفلك . وتبين بهذا أن من لم يصدق بحدوث الأجسام فلا يقدر على إقامة دليل على أن الأول ليس بجسم أصلا . قلت : ما أغرب كلام هذا الرجل في هذا الموضع ، فإنه وجه على الفلاسفة اعتراضا بأنهم لا يقدرون على إثبات صانع سوى الجرم السماوي إذ كانوا يحتاجون في ذلك إلى الجواب بأصل لا يعتقدونه وإنما يعتقده المتكلمون وهو قولهم : إن كون السماء بمقدار محدود دون سائر المقادير التي كان يمكن