ابن رشد
222
تهافت التهافت
ماهية موجودة فكثرة إذ فيه ماهية ووجود وهذا غاية الضلال ، فإن الموجود الواحد معقول بكل حال ولا موجود إلا وله حقيقة ووجود الحقيقة لا ينفي الوحدة . قلت : لم ينقل أبو حامد مذهب ابن سينا على وجهه كما فعل في « المقاصد » ، وذلك أن الرجل لما اعتقد أن الوجود من الشيء يدل على صفة زائدة على ذاته لم يجز عنده أن تكون ذاته هي الفاعلة لوجوده في الممكنات ، لأنه لو كان ذلك كذلك لكان الشيء علة وجوده ولم يكن له فاعل ، فلزم عنده من هذا أن كل ما وجوده زائد على ذاته فله علة فاعلة ، فلما كان الأول عنده ليس له فاعل وجب أن يكون وجوده عين ذاته . ولذلك ما عانده به أبو حامد بأن شبه الوجود بلازم من لوازم الذات ليس بصحيح ، لأن ذات الشيء هي علة لازمة وليس يمكن أن يكون الشيء علة وجوده ، لأن وجود الشيء متقدم على ماهيته ، وليس وضعه ماهيته هي أنيته هو رفع لماهيته كما قال ، بل إنما هو إيجاب اتحاد الماهية والآنية . وإذا وضعنا الوجود لاحقا من لواحق الموجود ، وكان الذي يعطي وجود الأشياء في الأشياء الممكنة هو الفاعل ، فيجب أن يكون ما لا فاعل له ، إما أن يكون لا وجود له وذلك مستحيل ، وإما أن يكون وجوده هو ماهيته ، لكن هذا كله مبناه على غلط وهو : إن الوجود للشيء لازم من لوازمه . وذلك أن الوجود الذي يتقدم في معرفتنا العلم بماهية الشيء هو الذي يدل على الصادق . ولذلك كان معنى قولنا : هل الشيء موجودا أما فيما له سبب يقتضي وجوده فقوته قوة قولنا هل الشيء له سبب أم ليس له سبب هكذا يقول أرسطو في أول « المقالة الثانية من كتاب البرهان » . وأما إذا لم يكن له سبب فمعناه هل الشيء يوجد له لازم من لوازمه يقتضي وجوده ؛ وأما إذا فهم من الموجود ما يفهم من الشيء والذات فهو جار مجرى الجنس المقول بتقديم وتأخير ، وأي ما كان فلا يفترق في ذلك ما له علة ، وما ليس له علة ، ولا يدل على معنى زائد من معنى الموجود وهو المراد بالصادق . وإن دل على معنى زائد على الذات فعلى أنه معنى ذهني ليس له خارج النفس وجود إلا بالقوة كالحال في الكلي ، فهذه هي الجهة التي منها نظر القدماء في المبدأ الأول فأثبتوه موجودا بسيطا . وأما الحكماء من الإسلام المتأخرين فإنهم زعموا أنهم لما نظروا في طبيعة الموجود بما هو موجود آل بهم الأمر إلى موجود بسيط بهذه الصفة . والطريقة التي يمكن عندي أن تسلك حتى تقرب من الطريقة البرهانية