ابن رشد
202
تهافت التهافت
يقوله محققوا الفلاسفة ، لأن قول من قال : أن علم اللّه وصفاته لا تكيف ولا تقاس بصفات المخلوقين حتى يقال أنها الذات أو زائدة على الذات ، هو قول المحققين من الفلاسفة والمحققين من غير هم من أهل العلم واللّه الموفق الهادي . قال أبو حامد : فإن قيل : هذا الإشكال إنما لزم على ابن سينا حيث زعم أن الأول يعلم غيره ، فأما المحققون من الفلاسفة فقد اتفقوا على أنه لا يعلم إلا نفسه فيندفع هذا الإشكال . فنقول : ناهيكم خزيا بهذا المذهب ولولا أنه في غاية الركاكة لما استنكف المتأخرون عن نصرته ونحن ننبه على وجه الخزي فيه فإن تفضيل معلولاته عليه إذ الملك والإنسان وكل واحد من العقلاء يعرف نفسه ومبدأه ويعرف غيره . والأول لا يعرف إلا نفسه فهو ناقص بالإضافة إلى آحاد الناس فضلا عن الملائكة بل البهيمة مع شعورها بنفسها تعرف أمورا أخر سواها . ولا شك في أن العلم شرف وأن عدمه نقصان فأين قولهم أنه عاشق ومعشوق ، لأنّ له البهاء الأكمل والجمال الأتم ، وأي جمال لوجود بسيط لا ماهية له ولا حقيقة ولا خير له بما يجري في العالم ولا بما يلزم ذاته ويصدر منه وأي نقصان في عالم اللّه يزيد على هذا . وليتعجب العاقل من طائفة يتعمقون في المعقولات بزعمهم ثم ينتهي نظر هم إلى أن رب الأرباب ومسبب الأسباب لا علم له أصلا بما يجري في العالم وأي فرق بينه وبين الميت إلا في علمه بنفسه ، وأي كمال في علمه بنفسه مع جهله بغيره ، وهذا مذهب تغني صورته في الافتضاح عن الأطناب والإيضاح . ثم يقال لهؤلاء لم تتخلصوا من الكثرة مع اقتحام هذه المخازي قلتم : إنه عينه فما الفصل بينكم وبين القائل أن علم الإنسان بذاته عين ذاته وهو حماقة إذ يعقل وجود ذاته في حالة هو فيها غافل عن ذاته ثم تزول غفلته ويتنبه لذاته فيكون شعوره بذاته غير ذاته لا محالة . فإن قلتم أن الإنسان قد يخلو عن العلم بذاته فيطرأ عليه فيكون غيره لا محالة . فنقول : الغيرية لا تعرف بالطريان والمقارنة فإن عين الشيء لا يجوز أن يطرأ على الشيء وغير الشيء إذا قارن الشيء لم يصر هو هو ولم يخرج عن كونه غيرا فبأن كان الأول لم يزل عالما بذاته لا يدل على أن علمه بذاته عين بذاته ويتسع الوهم لتقدير الذات ، ثم طريان الشعور ولو كان هو الذات بعينه لما تصور هذا التوهم . فإن قيل ذاته عقل وعلم فليس له ذات ثم علم قائم به . قلنا الحماقة ظاهرة في هذا الكلام فإن العلم صفة وعرض يستدعي موصوفا ، وقول القائل : هو في ذاته عقل كقوله : هو قدرة وإرادة وهو قائم بنفسه ولو قيل به فهو كقول القائل في سواد وبياض أنه قائم بنفسه وفي كمية ، وتربيع وتثليث أنه قائم بنفسه ، وكذا في كل الأعراض وبالطريق التي يستحيل أن تقوم صفات الأجسام بنفسها دون جسم هو غير