ابن رشد
200
تهافت التهافت
الشيء واحد وموجود ، وضروري أو ممكن ، وأن هذا إذا كان موجودا ، فهو دليل على وجود علم متحد محيط بعلوم كثيرة بل غير متناهي . فالحجة الأولى : التي استعمل في هذا الباب ما يظهر من الأمور الذهنية التي تلحق المعقول في النفس ، وهو فيه شبيه بالأحوال في الموجودات عند اعتبار الإضافات الموجودة فيها والأسلاب ، وذلك أن الإضافة اللاحقة للمعقولات يظهر من أمرها أنها حال لا تتكثر المعقولات بها ، ويحتج على ذلك بأن الإضافة اللاحقة للأمور المضافة هي من هذا الباب . فهو يعاند هذه الحجة بأن الإضافة والمضافين علوم كثيرة وإن علمنا بالأبوة مثلا غير علمنا بالأب والابن . والحق أن الإضافة صفة زائدة على المضافين من خارج النفس في الموجودات ، وأما الإضافة التي في المعقولات فهي أن تكون حالا أولي منها من أن تكون صفة زائدة على المضافين ، وهذا كله تشبيه العلم الإنساني بالعلم الأزلي وهو عين الخطأ ، ولذلك كل من أثار شكا بالعلم الأزلي ورام أن يحله بما يظهر في العلم الإنساني فقد نقل الحكم من الشاهد إلى الغائب في موجودين في غاية التباعد لا في موجودين مشتركين في النوع أو في الجنس بل مختلفين غاية الاختلاف . وأما الحجة الثانية : فهي أنا نعلم الشيء بعلم واحد ، ونعلم أنا نعلم بعلم هو حال في العلم الأول لا صفة زائدة عليه ، والدليل على ذلك أنه يمر إلى غير نهاية . وأما ما جاوب به من أن هذا العلم هو علم ثان وأنه لا يتسلسل فلا معنى له ، إذ معروف منم أمره أنه يتسلسل وليس يلزم من كون العالم عالما بالشيء غافلا عن أنه يعلم أنه يعلم أن يكون إذا علم أنه يعلم فقد علم علما زائدا على العلم الأول ، بل العلم الثاني هو حال من أحوال العلم الأول ، ولذلك لم يمتنع عليه المرور إلى غير نهاية ، ولو كان علما قائما بذاته زائدا على العلم الأول لم يصح فيه المرور إلى غير نهاية . وأما الحجة التي ألزمت بها الفلاسفة المتكلمين من أن الجميع من المتكلمين يعترفون أن علوم اللّه تعالى غير متناهية ، وأنه علم واحد ، فهي مقاومة بحسب اعتقاد قول القائل لا مقاومة بحسب الأمر في نفسه . وهي معاندة لا انفكاك لخصومهم عنها إلا بأن يضعوا أن علم الباري تعالى ليس يشبه في هذا