ابن رشد

182

تهافت التهافت

بأنحاء مختلفة من غير أن تكون تلك الذات متكثرة بتكثر تلك الصفات فذلك أمر لا ينكر وجوده ، مثل كون الشيء موجودا وواحدا وممكنا وواجبا ، فإن الشيء الواحد بعينه إذا اعتبر من جهة ما يصدر عنه شيء غيره سمي قادرا وفاعلا ، وإذا اعتبر من جهة تخصيصه أحد الفعلين المتقابلين سمي مريدا ، وإذا اعتبر من جهة إدراكه لمفعوله سمي عالما ، وإذا اعتبر العلم من حيث هو إدراك وسبب للحركة سمي « حيا » ، إذ كان الحي هو المدرك المتحرك من ذاته . وإنما الذي يمتنع وجود واحد بسيط ذي صفات كثيرة قائمة بذاتها وبخاصة إن كانت تلك الصفات جوهرية وموجودة بالفعل ، وأما إن كانت بالقوة فليس يمتنع عند الفلاسفة أن يكون الشيء واحدا بالفعل كثيرا بالقوة ، وهذه هي عندهم حال أجزاء الحدود مع المحدود . قوله : وزعموا أن ذلك يوجب كثرة إلى قوله كونهما شيئين . يريد أن كون هذه الصفات مقارنة للذات ليس يمنع ذلك من وجوب كونها كثيرة في نفسها كما لو تأخر وجودها عن الذات أو تأخر وجود بعضها عن بعض لما كان المفهوم عند العقل من ذلك واحدا . ولما حكى أبو حامد قول الفلاسفة قال : فيقال لهم : بم عرفتم استحالة الكثرة من هذا الوجه وأنتم مخالفون من كافة المسلمين سوى المعتزلة ، فما البرهان عليه فإن قول القائل : الكثرة محال في واجب الوجود مع كون الذات الموصوفة واحدة يرجع إلى أنه يستحيل كثرة الصفات وفيه النزاع وليس استحالته معلوما بالضرورة فلا بد من البرهان . ولهم مسلكان : الأول : قولهم : البرهان عليه أن كل واحد من الصفة والموصوف إذا لم يكن هذا ذلك ولا ذلك هذا فأما أن يستغني كل واحد عن الآخر في وجوده أو يفتقر كل واحد إلى الآخر أو يستغني واحد عن الآخر ويحتاج إليه الآخر . فإن فرض كل واحد منهما إلى الآخر قد يكون واحد منهما واجب الوجود إذ معنى واجب الوجود ما قوامه بذاته وهو مستغن من كل وجه عن غيره ، فما احتاج إلى غيره فذلك الغير علته ، إذ لو رفع ذلك الغير لامتنع وجوده فلا يكون وجوده من ذاته بل من غيره . فإن قيل أحدهما يحتاج دون الآخر فالذي يحتاج معلول والواجب الوجود هو الآخر وأيهما كان معلولا افتقر إلى سبب ، فيؤدي إلى أن ترتبط ذات واجب الوجود بسبب . قلت : أما إذا سلم الخصوم للفلاسفة أن هاهنا موجودا هو واجب