ابن رشد
177
تهافت التهافت
سلب العدم عنه أولا وإذا قيل باق فمعناه سلب العدم عنه آخرا ويرجع حاصل القديم والباقي إلى وجود ليس مسبوقا بعدم ولا ملحوقا بعدم . وإذا قيل واجب الوجود فمعناه أنه موجود لا علة له وهو علة لغيره فيكون جمعا بين السلب والإضافة إذ نفي علة له سلب وجعله علة لغيره إضافة . وإذا قيل عقل فمعناه أنه موجود بريء عن المادة وكل موجود هذا صفته فهو عقل أي يعقل ذاته ويشعر به ويعقل غيره ، وذات اللّه هذا صفته أي هو بريء عن المادة فإذن هو عقل وهما عبارتان عن معنى واحد . وإذا قيل عاقل فمعناه أن ذاته الذي هو عقل فله معقول هو ذاته فإنه يشعر بنفسه ويعقل نفسه بذاته معقول وذاته عاقل والكل واحد إذ هو معقول من حيث أنه ماهية مجردة عن المادة غير مستورة عن ذاته الذي هو عقل ؛ بمعنى أنه ماهية مجردة عن المادة لا يكون شيء مستورا عنه ولما عقل نفسه كان عاقلا ولما كان نفسه معقولا لنفسه كان معقولا ولما كان عقله لذاته لا بزائد على ذاته كان عقلا ، ولا يبعد أن يتحد العاقل والمعقول فإن العاقل إذا عقل كونه عاقلا عقله لكونه عاقلا فيكون العاقل والمعقول واحدا بوجه ما وإن كان عقلنا في ذلك يفارق عقل الأول فإن ما للأول بالفعل أبدا وما لنا يكون بالقوة تارة وبالفعل أخرى . وإذا قيل خالق وفاعل وبارئ ، وسائر صفات الفعل ، فمعناه أن وجوده وجود شريف يفيض عنه وجود الكل فيضانا لازما ، وأن وجود غيره حاصل منه وتابع لوجوده كما يتبع النور الشمس والإسخان النار . ولا تشبه نسبة العالم إليه نسبة النور إلى الشمس إلا في كونه معلولا فقط وإلا فليس هو كذلك ، فإن الشمس لا تشعر بفيضان النور عنها ولا النار بفيضان الإسخان فهو طبع محض ، بل الأول عالم بذاته وإن ذاته مبدأ لوجود غيره ففيضان ما يفيض عنه معلوم له فليس به غفلة عما يصدر منه . ولا هو أيضا كالواحد منا إذا وقف بين مريض وبين الشمس فندفع حر الشمس عن المريض بسببه لا باختياره ولكنه عالم به وهو غير كاره أيضا له فإن المظل الفاعل للظل شخصه وجسمه والعالم الراضي بوقوع الظل نفسه لا جسمه ، وفي حق الأول ليس كذلك فإن الفاعل منه هو العالم وهو الراضي أي أنه غير كاره وأنه عالم بأن كماله في أن يفيض منه غيره . بل لو أمكن أن يفرض كون الجسم المظل بعينه هو العالم بعينه بوقوع الظل وهو الراضي لم يكن أيضا مساويا للأول فإن الأول هو العالم وهو الفاعل وعلمه هو مبدأ فعله فإن علمه بنفسه في كونه مبدأ للكل علة فيضان الكل ، فإن النظام الموجود تبع للنظام المعقول بمعنى أنه واقع به فكونه فاعلا للكل غير زائد على كونه عالما بالكل ، إذ علمه بالكل علة فيضان الكل عنه وكونه عالما بالكل لا يزيد على علمه بذاته فإنه لا يعلم ذاته ما لم يعلم أنه مبدأ للكل فيكون المعلوم بالقصد الأول ذاته ويكون الكل معلوما عنده بالقصد الثاني فهذا معنى كونه فاعلا . وإذا قيل قادر لم يعن به إلا كونه فاعلا على الوجه الذي قررناه ، وهو أن وجوده وجود يفيض عنه المقدورات التي بفيضانها ينتظم الترتيب في الكل على أبلغ وجوه الإمكان في الكمال والحسن . وإذا قيل مريد لم يعن به إلا أن ما يفيض عنه ليس هو غافلا عنه وليس كارها له بل هو عالم بأن كماله في فيضان الكل عنه فيجوز بهذا المعنى أن يقال هو راض وجاز أن يقال للراضي أنه مريد فلا تكون الإرادة إلا عين القدرة ، ولا القدرة إلا عين العلم ولا العلم إلا عين الذات ، فالكل إذن يرجع إلى عين الذات . وهذا لأن علمه بالأشياء ليس مأخوذا من