ابن رشد
158
تهافت التهافت
محدث ، مثل حدوث البيت والخزانة ، والسماء ليست عندهم محدثة بهذا النوع من الحدوث ، ولذلك سموها أزلية ، أي أن وجودها مع الأزلي . وذلك أنه لما كان سبب الفساد عندهم هو الهيولى ، كان ما ليس بفاسد ليس بذي هيولى ، بل هو معنى بسيط ، ولولا الكون والفساد الذي في هذه الأجرام لما لزم أن تكون مركبة من هيولى وصورة ، لأن الأصل أن الجسم واحد في الوجود كما هو في الحس فلولا فساد هذه الأجسام لقضينا أنها بسيطة ، وأن الهيولى هي الجسم ، فالجسم السماوي لما كان لا يفسد دل على أن الهيولى فيه هي الجسمية الموجودة بالفعل ، وأن النفس التي فيه ليس لها قوام بهذا الجسم ، لأن هذا الجسم ليس يحتاج في بقائه إلى النفس كما يحتاج أجسام الحيوانات ، وإنما يحتاج إلى النفس لا لأن من ضرورة وجودها أن تكون متنفسة ، بل لأن الأفضل من ضرورته أن يكون بالحالة الأفضل ، والمتنفسة أفضل من غير المتنفسة ، والأجرام السماوية لا خلاف عندهم أنه ليس فيها قوة الجوهر ، فليست ضرورة ذات مادة كما هي الأجرام الكائنة ، فأما أن تكون كما يقول ثامسطيوس صورا ، وأما أن يكون لها مواد باشتراك ، وأنا أقول : وأما أن تكون هي المواد أنفسها أو تكون مواد حية بذاتها لا حية بحياة . قال أبو حامد والجواب من وجهين : أحدهما : إنه يلزم على مساق مذهبهم أن تكون أجسام العالم قديمة كذلك لا علة لها وقولهم : إن بطلان ذلك يعلم بنظر ثان فسيبطل ذلك عليهم في مسألة التوحيد وفي نفي الصفات بعد هذه المسألة المتقدمة الذكر . قلت : يريد أنهم إذا لم يقدروا أن يثبتوا الوحدانية ولا قدروا أن يثبتوا أن الواحد ليس بجسم لأنهم إذا لم يقدروا على نفي الصفات كان ذلك الأول عندهم ذاتا بصفات ، وما كان على هذه الصفة فهو جسم أو قوة في جسم لزمهم أن تكون الأول التي لا علة لها هي الأجرام السماوية . وهذا القول لازم لمن يقول بالقول الذي حكاه عن الفلاسفة ، والفلاسفة ليس يحتجون على وجود الأول الذي لا علة له بما نسبه إليهم من الاحتجاج ، ولا يزعمون أيضا أنهم يعجزون عن دليل التوحيد ولا عن دليل نفي الجسمية عن المبدأ الأول ، وستأتي هذه المسألة فيما بعد . قال أبو حامد : والوجه الثاني : وهو الخاص بهذه المسألة هو أن يقال : ثبت تقديرا