ابن رشد
151
تهافت التهافت
مرتبة واحدة عنده من التصديق . وأكثر ما يقع اليقين بمثل هذه المقدمات إذا تصفح الإنسان الموجودات الكائنة الفاسدة فرأى أنها إنما تختلف أسماؤها وحدودها من قبل أفعالها ، وإنه لو صدر أي موجود اتفق عن أي فعل اتفق ، وعن أي فاعل اتفق ، لاختلطت الذوات والحدود وبطلت المعارف ، فالنفس مثلا إنما تميزت من الجمادات بأفعالها الخاصة الصادرة عنها ، والجمادات إنما تميزت بعضها عن بعض بأفعال تخصها ، وكذلك النفوس . ولو كان يصدر عن قوة واحدة أفعال كثيرة كما يصدر عن القوى المركبة أفعال كثيرة لم يكن فرق بين الذات البسيطة والمركبة ، ولا تميزت لنا . وأيضا إن أمكن أن يصدر عن ذات واحدة أفعال كثيرة ، فقد أمكن فعل من غير فاعل ، وذلك أن الموجود إنما يوجد عن موجود لا عن معدوم ، ولذلك ليس يمكن أن يوجد المعدوم من ذاته ، فإذا كان المحرك للمعدوم والمخرج له من القوة إلى الفعل إنما يخرجه من جهة ما هو بالفعل ، فواجب أن يكون نحو الفعل الذي فيه على نحو الفعل المخرج له من العدم إلى الوجود ، فإنه إن خرج أي مفعول اتفق من أي فاعل اتفق لم يمتنع أن تخرج المفعولات إلى الفعل من ذاتها لا من قبل فاعل يفعلها ، فإن تخرج أنحاء كثيرة من القوة إلى الفعل عن فاعل واحد فواجب أن تكون فيه ؛ أعني تلك الأنحاء ، أو ما يناسبها ، لأنه إن لم يكن فيه إلا نحو واحد منها فما خرج من سائر الأنحاء ، إنما خرج من نفسه من غير مخرج له . وليس لقائل أن يقول : أن شرط الفاعل إنما هو أن يوجد فاعلا فقط بالفعل المطلق فقط لا بنحو من الفعل مخصوص ، فإنه لو كان ذلك كذلك لفعل أي موجود اتفق أي فعل اتفق ، واختلطت الموجودات ، وأيضا فإن الموجود المطلق ؛ أعني الكلي أقرب إلى العدم من الموجود الحقيقي ، ولذلك نفي القول بموجود مطلق ، ولون مطلق ، القائلون بنفي الأحوال ، وقال القائلون بإثباتها : أنها لا موجودة ولا معدومة ، فلو صح هذا لصح أن تكون الأحوال علة للموجودات . وكون الفعل الواحد يصدر عن واحد هو في العالم الذي في الشاهد أبين منه في غير ذلك العالم ، فإن العلم يتكثر بتكثر المعقولات للعالم ، لأنه إنما يعقلها على النحو الذي هي عليه موجودة ، وهي علة علمه وليس يمكن أن تكون المعلومات الكثيرة تعلم بعلم واحد ، ولا يكون العلم الواحد علة لصدور معلولات كثيرة عنه في الشاهد ، مثال ذلك إن علم الصانع الصادر عنه