ابن رشد

141

تهافت التهافت

المعلول المركب ، فليس يمكن أن يوجد شيء مركب وهو أزلي ، فكل ممكن الوجود عند الفلاسفة فهو محدث ، وهذا شيء قد صرح به أرسطو في غير ما موضع من كتبه ، وسيبين هذا من قولنا بعد بيانا أكثر عند التكلم في واجب الوجود ، وأما الذي يسميه ابن سينا ممكن الوجود فهو والممكن الوجود مقول باشتراك الاسم ، ولذلك ليس كونه محتاجا إلى الفاعل ظاهرا من الجهة التي منها ظهر حاجة الممكن . الاعتراض الثالث : قال أبو حامد : هو أن عقل المعلول الأول ذات نفسه عين ذاته أو غيره . فإن كان عينه فهو محال لأن العلم غير المعلوم ، وإن كان غيره فليكن كذلك في المبدأ الأول فيلزم منه كثرة ، ويلزم فيه تربيع لا تثليث بزعمهم فإنه ذاته وعقله نفسه وعقله مبدأه وأنه ممكن الوجود بذاته ، ويمكن أن يزاد أنه واجب الوجود بغيره فيظهر تخميس وبذا يظهر تعمق هؤلاء في الهواس . قلت : الكلام هاهنا في العقول هو في موضعين : أحدهما : فيما يعقل وما لا يعقل ، وهي مسألة خاض فيها القدماء . وأما الكلام فيما صدر عنها فانفرد ابن سينا بالقول الذي حكاه هاهنا عن الفلاسفة وتجرد هو للرد عليهم ليوهم أنه رد على جميعهم وهذا كما قال : تعمق ممن قاله في الهوس . وليس يلفى هذا القول لأحد من القدماء ، وهو قول ليس يقوم عليه برهان إلا ما ظنوا من أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد ، وهذه القضية ليست في الفاعلات التي هي صور في مواد كالحال في الفاعلات التي هي صور مجردة من المادة ، فإنه ليس ذات العقل المعلول عندهم إلا ما يعقل من مبدأه ، ولا هاهنا شيئان أحدهما : ذات الآخر معنى زائد على الذات ، لأنه لو كان ذلك كذلك لكان مركبا ، والبسيط لا يكون مركبا . والفرق بين العلة والمعلول أن العلة الأولى وجودها بذاتها ؛ أعني في الصور المفارقة ، والعلة الثانية وجودها بالإضافة إلى العلة الأولى ، لأن كونها معلولة هو نفس جوهرها ، وليس هو معنى زائدا عليها كالحال في المعلولات المادية ، مثال ذلك : أن اللون هو شيء موجود بذاته في الجسم ، وكونه علة للبصر هو من حيث هو مضاف ، والبصر ليس له وجود إلا في هذه الإضافة ، ولذلك كانت المجردة من الهيولى جواهر من طبيعة المضاف ، ولذلك اتحدت العلة والمعلول في الصور المفارقة للمواد ، ولذلك كانت الصور الحسية من طبيعة المضاف كما تبين في كتاب النفس .