ابن رشد
137
تهافت التهافت
القوة الذاكرة وجودا أشرف من وجوده في القوة الخيالية ، وله في العقل وجودا أشرف من جميع هذه الوجودات ، وكذلك نعتقد أن له في ذات العلم الأول وجودا أشرف من جميع وجوداته ، وهو الوجود الذي لا يمكن أن يوجد وجود أشرف منه . وأما ما حكاه عن الفلاسفة في ترتيب فيضان المبادي المفارقة عنه ، وفي عدد ما يفيض عن مبدأ من تلك المبادي . فشئ لا يقوم برهان على تحصيل ذلك ، وتحديده ، ولذلك لا يلفي التحديد الذي ذكره في كتب القدماء . وأما كون جميع المبادي المفارقة وغير المفارقة فائضة عن المبدأ الأول وأن بفيضان هذه القوة الواحدة صار العالم بأسره واحدا ، وبها ارتبطت جميع أجزائه حتى صار الكل يؤم فعلا واحدا كالحال في بدن الحيوان الواحد المختلف القوى والأعضاء والأفعال ، فإنه إنما صار عند العلماء واحدا وموجودا بقوة واحدة فيه فاضت عن الأول فأمر أجمعوا عليه ، لأن السماء عندهم بأسرها هي بمنزلة حيوان واحد ، والحركة اليومية التي لجميعها هي كالحركة الكلية في المكان للحيوان ، والحركات التي لأجزاء السماء هي كالحركات الجزئية التي لأعضاء الحيوان ، وقد قام عندهم البرهان على أن في الحيوان قوة واحدة بها صار واحدا ، وبها صارت جميع القوى التي فيه تؤم فعلا واحدا ، وهو سلامة الحيوان ، وهذه القوى مرتبطة بالقوة الفائضة عن المبدأ الأول ، ولولا ذلك لافترقت أجزاؤه ولم يبق طرفة عين ، فإن كان واجبا أن يكون في الحيوان الواحد قوة واحدة روحانية سارية في جميع أجزائه بها صارت الكثرة الموجودة فيه من القوى والأجسام واحدة ، حتى قيل في الأجسام الموجودة فيها أنها جسم واحد ، وقيل في القوى الموجودة فيه أنها قوة واحدة ، وكانت نسبة أجزاء الموجودات من العالم كله نسبة أجزاء الحيوان الواحد من الحيوان الواحد ، فباضطرار أن يكون حالها في أجزائه الحيوانية ، وفي قواها المحركة النفسانية والعقلية هذه الحال ؛ أعني أن فيها قوة واحدة روحانية بها ارتبطت جميع القوى الروحانية والجسمانية ، وهي سارية في الكل سريانا واحدا ، ولولا ذلك لما كان هاهنا نظام وترتيب ، وعلى هذا يصح القول أن اللّه خالق كل شيء وممسكه وحافظه كما قال سبحانه : إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا الآية . وليس يلزم من سريان القوة الواحدة في أشياء كثيرة أن يكون في تلك القوة كثرة كما ظن من قال