ابن رشد

130

تهافت التهافت

ليست بأجسام ولا قوى في أجسام . أما كون مبادئها ليست بأجسام فلأنها مبادئ أول للأجسام المحيطة بالعالم ، وأما كونها ليست قوى في أجسام الأجسام شرط في وجودها كالحال في المبادي المركبة هاهنا للحيوانات ، فلأن كل قوة في جسم عندهم هي متناهية إذ كانت منقسمة بانقسام الجسم ، وكل جسم هو بهذه الصفة فهو كائن فاسد ؛ أعني مركبا من هيولى ، وصورة الهيولى شرط في وجود الصورة ، وأيضا لو كانت مبادئها على نحو مبادئ هذه لكانت الأجرام السماوية مثل هذه ، فكانت تحتاج إلى أجرام أخر أقدم منها . ولما تقرر لهم وجود مبادئ بهذه الصفة ؛ أعني ليست أجساما ولا قوى في جسم ، وكان قد تقرر لهم من أمر العقل الإنساني أن للصورة وجودين : وجود معقول إذا تجردت من الهيولى ، ووجود محسوس إذا كانت في هيولى ، مثال ذلك : إن الحجر له صورة جمادية ، وهي في الهيولى خارج النفس ، وصورة هي إدراك وعقل ، وهي المجردة من الهيولى في النفس ، وجب عندهم أن تكون هذه الموجودات المفارقة بإطلاق عقولا محضة ، لأنه إذا كان عقلا بما هو مفارق لغيره فما هو مفارق بإطلاق أحرى أن يكون عقلا . وكذلك وجب عندهم أن يكون ما تعقله هذه العقول هي صور الموجودات والنظام الذي في العالم كالحال في العقل الإنساني ، إذ كان العقل ليس شيئا غير إدراك صور الموجودات من حيث هي في غير هيولى ، فصح عندهم من قبل هذا أن للموجودات وجودين وجود محسوس ووجود معقول وأن نسبة الوجود المحسوس من الوجود المعقول هي نسبة المصنوعات من علوم الصانع ، واعتقدوا لمكان هذا أن الأجرام السماوية عاقلة لهذه المبادي وأن تدبيرها لما هاهنا من الموجودات إنما هو من قبل أنها ذوات نفوس . ولما قايسوا بين هذه العقول المفارقة وبين العقل الإنساني رأوا أن هذه العقول أشرف من العقل الإنساني وإن كانت تشترك مع العقل الإنساني في أن معقولاتها هي صور الموجودات ، وأن صورة واحد واحد منها هو ما يدركه هو من صور الموجودات ونظامها ، كما أن العقل الإنساني إنما هو ما يدركه من صور الموجودات ونظامها ، لكن الفرق بينهما أن صور الموجودات هي علة للعقل الإنساني ، إذ كان يستكمل بها على جهة ما يستكمل الشيء الموجود بصورته ، وأما تلك فمعقولاتها هي العلة في صور الموجودات ، وذلك أن النظام والترتيب في الموجودات إنما هو شيء تابع