ابن رشد

128

تهافت التهافت

الأشياء الكلام العام ويجادل في اللّه بغير علم ، ولذلك يظن أن الفلاسفة في غاية الضعف في هذه العلوم ، ولذلك يقول أبو حامد أن علومهم الإلهية هي ظنية . ولكن على كل حال ، فنحن نروم أن نبين من أمور محمودة ومقدمات معلومة ، وإن كانت ليست برهانية ، ولم نك نستخير ذلك إلا لأن هذا الرجل أوقع هذا الخيال في هذا العلم العظيم وأبطل على الناس الوصول إلى سعادتهم بالأعمال الفاضلة ، واللّه سائله وحسيبه - الأمور التي حركت الفلاسفة إلى اعتقاد هذه الأشياء في المبدأ الأول وسائر الموجودات ، ومقدار ما انتهت إليه من ذلك العقول الإنسانية والشكوك الواقعة في ذلك ، ونبين أيضا الطرق التي حركت المتكلمين من أهل الإسلام إلى ما حركتهم إليه من الاعتقاد في المبدأ الأول وفي سائر الموجودات ، والشكوك الداخلة عليهم في ذلك ، ومقدار ما انتهت إليه حكمتهم ، ليكون ذلك مما يحرك من أحب الوقوف على الحق ويحرضه على النظر في علوم الفريقين ، ويعمل في هذا كله على ما وفقه اللّه تعالى إليه . فنقول : فأما الفلاسفة فإنهم طلبوا معرفة الموجودات بعقولهم لا مستندين إلى قول من يدعوهم إلى قبول قوله من غير برهان ، بل ربما خالفوا الأمور المحسوسة وذلك أنهم وجدوا الأشياء المحسوسة التي دون الفلك ضربين : متنفسه ، وغير متنفسه ، ووجدوا جميع هذه يكون المتكون منها متكونا بشيء سموه صورة ، وهو المعنى الذي به صار موجودا بعد أن كان معدوما ، ومن شيء سموه مادة ، وهو الذي منه تكوّن ، وذلك أنهم ألفوا كل ما يتكون هاهنا إنما يتكون من موجود غيره ، فسموا هذه مادة ، ووجدوه أيضا يتكون عن شيء فسموه فاعلا ، ومن أجل شيء سموه أيضا غاية ، فأثبتوا أسبابا أربعة . ووجدوا الشيء الذي يتكون به المتكون ؛ أعني صورة المتكون والشيء الذي عنه يتكون وهو الفاعل القريب له واحدا ؛ إما بالنوع ، وإما بالجنس ، أما بالنوع فمثل ، أن الإنسان يولد إنسانا ، والفرس فرسا ، وأما بالجنس ، فمثل : تولد البغل عن الفرس ، والحمار . ولما كانت الأسباب لا تمر عندهم إلى غير نهاية أدخلوا سببا فاعلا أولا باقيا . فمنهم من قال : هذا السبب الذي بهذه الصفة هو الأجرام السماوية ، ومنهم من جعله مبدأ مفارقا مع الأجرام السماوية ، ومنهم من جعل هذا المبدأ هو المبدأ الأول ، ومنهم من جعله دونه واكتفوا في تكوّن الأجرام البسيطة