ابن رشد

122

تهافت التهافت

أحوال سلبية أو إضافية مثل قولنا في الشيء : إنه موجود ، فإنه ليس يدل على معنى زائد على جوهره خارج النفس ، كقولنا في الشيء : أنه مبيض ، ومن هذا غلط ابن سينا فظن أن الواحد معنى زائد على الذات ، وكذلك الوجود على الشيء في قولنا : إن الشيء موجود ، وستأتي هذه المسألة . وأول من استنبط هذه العبارة هو ابن سينا ؛ أعني قوله : ممكن الوجود من ذاته واجب من غيره ، وذلك أن الإمكان هو صفة في الشيء غير الشيء الذي فيه الإمكان ، فيقتضي ظاهر هذا اللفظ أن يكون ما دون الأول مركبا من شيئين اثنين : أحدهما المتصف بالإمكان ، والثاني المتصف بوجوب الوجود ، فهي عبارة ردية . ولكن إذا فهم منه المعنى الذي قلناه لم يلحق الشك الذي ألزمه إياه أبو حامد وإنما يبقى عليه : هل إذا فهم من المعلول الأول إمكان وجوده ، هل يقتضي له أن يكون مركبا أم لا ؛ لأنه إن كانت الصفة إضافية لم تقتض له التركيب ، وليس كل شيء يعقل فيه أحوال متغايرة يقتضي أن تكون الأحوال صفات زائدة على ذاته خارج النفس ، فإن هذا حال الأعدام وحال الإضافات ، ولذلك لم ير قوم من القدماء أن يعدوا مقولة الإضافة في الموجودات خارج النفس ؛ أعني العشر مقولات ، وأبو حامد يوجب في قوله : إن كل ما كان له مفهوم زائد أنه يقتضي معنى زائدا خارج النفس بالفعل ، وهو غلط ، وقول سفسطائي . وذلك بين من قوله : وبالجملة الوجود أمر عام ينقسم إلى : واجب وإلى ممكن ، فإن كان فصل أحد القسمين زائدا على العام فكذلك الفصل الثاني لا فرق . فإن قسمة الوجود إلى : ممكن وواجب ، ليس كقسمة الحيوان إلى : ناطق وغير ناطق ، أو إلى : مشاء وسابح وطائر ، لأن هذه أمور زائدة على الجنس توجب أنواعا زائدة ، والحيوانية معنى مشترك لها ، وهذه الفصول زائدة عليها ، وأما الممكن الذي قسم إليه ابن سينا الموجود فليس معنى خارج النفس بالفعل ، وهو عبارة ردية كما قلنا ، وذلك أن الموجود الذي له علة في وجوده ليس له مفهوم من ذاته إلا العدم ؛ أعني أن كل ما هو موجود من غيره فليس له من ذاته إلا العدم ، إلا أن تكون طبيعته طبيعة الممكن الحقيقي ، ولذلك فليس له قسمة الموجود إلى : واجب الوجود وممكن الوجود قسمة غير معروفة إذا لم يرد بالممكن الممكن الحقيقي ، وسيأتي هذا بعد . وتحصيل هذا الموضع أن الموجود إذا قسم ، فإما أن ينقسم إلى فصول ذاتية ، أو أحوال إضافية ، أو