ابن رشد
117
تهافت التهافت
المعنى الذي به صارت موجودة فإنه إن كان شيء وجوده في أنه مأمور فلا وجود له إلا من قبل الآمر الأول . وهذا المعنى هو الذي يرى الفلاسفة أنه عبرت عنه الشرائع بالخلق والاختراع والتكليف . فهذا هو أقرب تعليم يمكن أن يفهم به مذهب هؤلاء القوم من غير أن يلحق ذلك الشنعة التي تلحق من سمع مذاهب القوم على التفصيل الذي ذكره أبو حامد هاهنا . وهذا كله يزعمون أنه قد تبين في كتبهم ، فمن أمكنه أن ينظر في كتبهم على الشروط التي ذكروها فهو الذي يقف على صحة ما يزعمون أو ضده ، وليس يفهم من مذهب أرسطو غير هذا ولا من مذهب أفلاطون وهو منتهى ما وقفت عليه العقول الإنسانية . وقد يمكن الإنسان أن يقف على هذه المعاني من أقاويل عرض لها أن كانت مشهورة مع أنها معقولة ، وذلك أن ما شأنه ذلك الشأن من التعليم فهو لذيذ محبوب عند الجميع . واحد المقدمات التي يظهر منها هذا المعنى هو أن الإنسان إذا تأمل ما هاهنا ظهر له أن الأشياء التي تسمى حية عالمة هي الأشياء المتحركة من ذاتها بحركات محدودة نحو أغراض وأفعال محدودة تتولد عنها أفعال محدودة ، ولذلك قال المتكلمون : إن كل فعل فإنما يصدر عن حي عالم ، فإذا حصل له هذا الأصل وهو أن كل ما يتحرك حركات محدودة فيلزم عنها أفعال محدودة منتظمة فهو حيوان عالم ، وأضاف إلى ذلك ما هو مشاهد بالحس ، وهو أن السماوات تتحرك من ذاتها حركات محدودة يلزم عن ذلك في الموجودات التي دونها أفعال محدودة ونظام وترتيب به قوام ما دونها من الموجودات تولد أصل ثالث لا شك فيه ، وهو أن السماوات أجسام حية مدركة . فأما أن حركاتها يلزم عنها أفعال محدودة بها قوام ما هاهنا وحفظه من الحيوان والنبات والجماد فذلك معروف بنفسه عند التأمل ، فإنه لولا قرب الشمس وبعدها في فلكها المائل لم يكن هاهنا فصول أربعة ، ولو لم يكن هاهنا فصول أربعة لما كان نبات ولا حيوان ولا جرى الكون على نظام في كون الأسطقسات بعضها من بعض على السواء لينحفظ لها الوجود ، مثال ذلك : أنه إذا بعدت الشمس إلى جهة الجنوب برد الهواء في جهة الشمال فكانت الأمطار ، وكثر كون الأسطقس المائي ، وكثر في جهة الجنوب تولد الأسطقس الهوائي ، وفي الصيف بالعكس ؛ أعني إذا صارت الشمس قرب سمت رؤوسنا وهذه الأفعال التي تلفى للشمس من قبل القرب والبعد الذي لها دائما من موجود موجود من المكان