أبو علي سينا

8

مجربات ابن سينا الروحانية

ويجرون على ألسنتهم ذكر الفلسفة والهندسة وحساب الهند ، وأخذ يوجهني إلى رجل كان يبيع البقل ، ويقوم بحساب الهند حتى أتعلمه منه . ثم جاء إلى بخارى أبو عبد اللّه النائلي وكان يدعى المتفلسف ، وأنزله أبي دارنا رجاء تعلمي منه . وقبل قدومه كنت أشتغل بالفقه والتردّد فيه إلى إسماعيل الزاهد ، وكنت من أجود السالكين . وقد ألفت طرق المطالبة ووجوه الاعتراض على المجيب على الوجه الذي جرت عادة القوم به . تفوقه على أستاذه : ثم ابتدأت بكتاب ايساغوجي على النائلي . ولما ذكر لي حد الجنس ، أنه هو المقول على كثيرين مختلفين بالنوع من جواب ما هو ، فأخذت في تحقيق هذا الحد بما لم يسمع بمثله ، وتعجب مني كل العجب وحذر والدي من شغلي بغير المعلم . وكان أيّ مسألة قالها لي أتصورها خيرا منه ، حتى قرأت ظواهر المنطق عليه . وأما دقائقه فلم يكن عنده منها خبرة . ثم أخذت أقرأ الكتب على نفسي وأطالع الشروح حتى أحكمت علم المنطق . وكذلك كتاب أقليدس فقرأت من أوله خمسة أشكال أو ستة عليه ، ثم توليت بنفسي حل بقية الكتاب بأسره . ثم انتقلت إلى المجسطي ، ولما فرغت من مقدماته وانتهيت إلى الأشكال الهندسية ، قال لي النائلي تول قراءتها وحلها بنفسك ، ثم أعرضها علي لأبيّن لك صوابه من خطئه ، وما كان الرجل يقوم بالكتاب . وأخذت أحل ذلك الكتاب فكم من شكل ما عرفه إلى وقت ما عرضته عليه ومهمته إيّاه . ثم فارقني النائلي متوجّها إلى كركانج ، واشتغلت أنا بتحصيل الكتب من الفصوص والشروح ، من الطبيعي والإلهي ، وصارت أبواب العلم تنفتح علي . رغبته لعلم الطب والمنطق : ثم رغبت في علم الطب وصرت أقرأ الكتب المصنفة فيه ، وعلم الطب ليس من العلوم الصعبة . فلا جرم أني برزت فيه في أقل مدّة حتى بدأ فضلاء الطب يقرأون علي علم الطب . وتعهدت المرضى فانفتح علي من أبواب المعالجات المقتبسة من التجربة ما لا يوصف ، وأنا مع ذلك اختلف إلى الفقه وأناظر فيه ، وأنا في هذا الوقت من أبناء ست عشرة سنة . ثم توفرت على العلم والقراءة سنة