ابن رشد

39

تلخيص كتاب الجدل

وأما ما تضاد فيه الشهادة للقياس فهو القول الذي هو مخالف للمشهور والقائل له [ 1 ] ليس بمشهور ، ولكن له عليه قياس ما قوى ، مثل شكوك يحيى النحوي « 1 » على المشائين في وجود القوة متقدمة بالزمان للفعل في حدوث الحركة . وأما الرأي [ 2 ] الذي ليس هو لإنسان مشهور ، ولا عليه قياس ، فهو الذي يسمى الشاذ ، والتحكم ، والتخرص [ 3 ] . وليس أحد يبلغ به الخرق أن يجعله مطلوبا يفحص عنه في هذه الصناعة . « 2 » وأما ما يطلب لأنه لم يفحص عنه بعد ولا فيه

--> ( 1 ) عن يحيى النحوي ، انظر : ابن النديم ، الفهرست ، طبعة فلوجل ، ص 254 - 255 ؛ روس ، أرسطو ، الطبعة الخامسة ، ص 296 ؛ جواد على ، البحث العلمي عند العرب ، في مجلة المجمع العلمي العراقي ، المجلد السابع ، 1960 ، ص 141 ؛ دكتور مراد كامل ، ودكتور حامد البكري ، الأدب السرياني ، القاهرة 1949 ، ص 163 - 164 . عن : معجم اكسفورد الكلاسيكى ، ص 62 . هيراتليطس : ، نبذة 41 ، ص 482 ، طبعة لويب ، أعمال أبقراط ، الجزء الرابع . عن مالسس : Melissus ، انظر : دكتور أحمد فؤاد الأهواني ، فجر الفلسفة اليونانية ، ص 155 وما بعدها . ( 2 ) أرسطو ، 1 ، 11 ، 104 ب 19 وما بعده : ت . ع . 247 ب 14 - 18 ، طبعة بدوي ، ص 486 : « والوضع هو رأى مبدع لبعض المشهورين بالفلسفة . مثال ذلك ما قاله انطستانس أنه ليس لأحد أن يناقض ، وما قاله ايراقليطس من أن كل شئ يتحرك ، وما قاله مالسس من أن الكل واحد . وذلك أن من الخرق أن يهتم الإنسان بقول شاذ يحكم بضد الآراء . أو يهتم بالأشياء التي فيها قول مضاد للآراء » . قد تقود الترجمة العربية للجملة الأخيرة إلى الضلال إذا عطفتا أن يهتم بالأشياء على أن يهتم الإنسان . والحق أن الجملة الأخيرة مستقلة وتشير إلى نوع آخر من الأقوال المبتدعة . الفارابي ، الجدل ، مخطوط براتيسلافا ، ورقة 226 ا 19 - 227 ا 4 : « ومنها الأقاويل المبتدعة المشنعة التي يراها قوم من أهل النباهة والمشهورين بالحذق في العلوم . وذلك أن توجد آراء مشهورة ونجد قوما مشهورين عند الجميع بالحذق في العلوم يضادون تلك الآراء المشهورة ، فتكون نباهة القائلين بما يضاد المشهور ، وشهرتهم بالحذق مما يوقع في النفس أنهم عسى أن يكونوا قد علموا ما لم يعلمه غيرهم ، ويصير ذلك مشككا لنا في تلك المشهورات ، فتصير تلك المشهورات مطلوبات جدلية ، مثل قول برمانيدس : إن الموجود واحد ، وقول زينن : إنه ولا شئ من الموجودات يتحرك . وهذا الصنف أيضا إن لم يكن فيه عند الإنسان فيه قياس ، لم يكن ذلك مطلوبا يصح أن يجعل وضعا جدليا يلتمس إبطاله وحفظه . ومنها : أن يكون الذي يخرق الإجماع ويضاد المشهور إنسانا من أهل العلم غير نبيه ولا مشهور بالحذق ، أو يكون إنسانا من غير أهل العلم إلا أن معه قياسا يشد به رأيه المشنع ، ويعاند به المشهور المجمع عليه . فإن ذلك المشهور يصير مطلوبا جدليا ، لأن القياس الذي معه هاهنا يقوم مقام نباهة القيم بالرأي هناك ، فيشكك في المشهور . وهذان من بين المطلوبات الجدلية يخصان باسم الوضع ، ويسميان الرأي البديع . وإن كان الذي يضاد المشهور إنسانا ليس بنبيه ، ولم يكن معه قياس ، لم يلتفت إلى ذلك الخلاف ولم يصر ذلك الخلاف المشهور مطلوبا ، وسمى ذلك الرأي الشاذ ، والتحكم ، والتخرص . وبين الوضع والشاذ فرق . فإن الوضع والرأي البديع هو الرأي المضاد المشهور إذا كان رأيا لنبيه من أهل العلم مشهور بالحذق ، أو رأيا لغير نبيه معه قياس يشده ، ويعاند المشهور . وبالجملة : المضاد للمشهور إذا كان معه قياس يشده ويعاند المشهور . والشاذ والتحكم والتخرص هو الرأي المضاد للمشهور إذا كان رأيا لإنسان ليس ينبيه ، ولا معه قياس » . ( 1 ) - له : به ل ( 2 ) - الرأي : سقطت من ل ( 3 ) - التخرص : التحوص ف