شمس الدين الشهرزوري

4

شرح حكمة الاشراق

والخطب ، والرسائل ، وأمثالها من الآداب ، فإنها تتبدّل وتتغيّر عند اندراس تلك الأمة والشريعة المخصوصة من تلك العلوم بلسانها . وأعظم الأسباب في اندراسها زوال الملك عن تلك الأمة والملة واستيلاء المخالفين لها عليها ، كما اندرس في زماننا هذا نحو اليونان واشعارهم « 12 » ورسائلهم . وكذا العلوم المتعارفة التي كانت لفارس والقبط وبابل وغيرهم من الأمم السالفة . واما علم الفقه ، وانه علم سياسة المدن ، فبكليّته « 13 » لا يندرس وانما تندرس بعض الفروع وتتبدّل الاحكام وتتغيّر وتنتقل من أمة إلى أمة . وكذا علم أصول الفقه ، وان كان في هذا سرّ سنشير اليه فيما بعد ، ان شاء اللّه تعالى . وإذا علمت هذا ، فاعلم أن الكمال الحقيقي انما يحصل بالعلم الحقيقي الثابت بحسب ثبات معلومه ، ليكون المعلوم له مشاهدا لنفسه بعد المفارقة . واما ما لا ثبات له فلا تحصل مشاهدته بعد المفارقة فلا يحصل به كمال حقيقي وان كان قد يجوز ان يحصل به كمال وهمى . وإذا تلخص لنا ان السعادة منوطة بالعلوم الحقيقية دون غيرها ، فنقول ان العلوم الحقيقية تنقسم إلى قسمين : ذوقية كشفية ، وبحثية نظرية . فالقسم الأول : يعنى به معاينة المعاني والمجردات مكافحة لا بفكر ونظم دليل قياسي أو نصب تعريف حدّى أو رسمي ، بل بأنوار اشراقية متتالية متفاوتة لسلب النفس عن البدن وتتبيّن معلقة تشاهد مجردها ويشاهد ما فوقها مع العناية الإلهية . وهذه الحكمة الذوقية قلّ من يصل إليها من الحكماء ولا تحصل الا للافراد من الحكماء المتألّهين الفاضلين وهؤلاء منهم قدماء سبقوا أرسطو زمانا ، كاغاثاذيمون ، وهرمس ، وانباذقلس ، وفيثاغورس ، وسقراط ، وأفلاطون ، وغيرهم من الأفاضل الأقدمين الذين شهدت الأمم المختلفة بفضلهم

--> ( 12 ) ط : ولغتهم واشعارهم وخطبهم ( 13 ) ط : فلكليته