شمس الدين الشهرزوري

572

رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية

عجائب أفعال الحيوانات التي ذكرنا بعض تفصيلها في كتاب الحيوان « 1 » لحكمة يتفطن لها الذكي دون البليد ، وذلك كلّه يدلّ على أنّ نفوسها مجردة غير منطبعة في أبدانها . ثم لو كانت نفوسها منطبعة فنفوسنا الناطقة التي قام البرهان على تجردها - كيف كانت - تعجز عن كثير من الأعمال والأفعال التي تقدر عليه الحيوانات الحقيرة الضعيفة بسهولة وعندها من الذكاء والفطانة ما ليس عند الأطفال وكثير من الكبار أيضا . فلو لا أنّ لها نفوسا ناطقة مجردة غير منطبعة في أبدانها ، لما أمكنها تلك الأعمال ولا يتيسر لها تلك الأفعال ، وإذا ثبت أنّ لها نفوسا ناطقة مجردة عن المادة وجب انتقالها إلى الأبدان الإنسانية التي لا يتم استكمالها إلّا بالتعلق بها ؛ فإنّ الحكمة التي لأجلها وجب التعلق بالأبدان إنّما هو تحصيل الكمال الذي هو الحكمة النظرية والحكمة العملية ، وذلك لا يحصل إلّا في الأبدان الإنسانية المستعدة لتحصيل هذا الكمال العلمي والعملي فيها ؛ فوجب انتقال تلك النفوس الحيوانية إلى الأبدان الإنسانية ، فإنّ العناية الإلهية لا توجب إهمال نوع عن حصول كماله . وعلمت أنّ وصول النفس المجردة إلى الكمال المذكور الذي لها إنّما يمكن عند تعلّقها بالأبدان الإنسانية ، فيجب ارتقاؤها إليها بالانتقال ؛ وجميع الحكماء الأوائل كهرمس وانباذقلس وفيثاغورس وسقراط وأفلاطن وغيرهم من الحكماء الكبار أولي الأيدي والأبصار ، وكذلك جميع الأنبياء ، قائلون بالنقل صريحا ورمزا ، وكلهم أرباب كشف وذوق وعروج ؛ وذلك كله يدل على صحة النقل ووجوب وقوع التناسخ ؛ وكل عاقل فيجب عليه الاقتداء بأهل الكشف وأرباب الوحي ، وقد أشارت الكتب المنزلة إلى حال التناسخ ، كما سيأتي ذكره بعد ذلك إن شاء اللّه تعالى . الوجه الخامس : لو لم يكن انتقال النفوس إلى الأبدان على سبيل النقل والتناسخ واجبا لما صح القول بأنّ الجهل البسيط والمركب يوجبان العقاب و

--> ( 1 ) . رسائل الشجرة الإلهية : ج 2 ، آخرين فصل كتاب .