شمس الدين الشهرزوري
565
رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية
يكون انتقالها إلى بعض الأبدان الحسنة البهية المتلذذة به جنة لها من بعض مراتب الجنان . ثم لا تزال ترتقي من مرتبة أدنى إلى مرتبة أعلى من مراتب أبدان الجنان إلى أن تحصّل النفس الكمال الخاص اللائق بها ، حتى تصل إلى أعلى مراتبها من الجنة ، ثم تفارق بعد ذلك وتتجرد عن المواد بالكلية ويحصل لها اللذات العقلية المبهجة والسعادات الروحانية الملذّة ؛ فإذا حصلت النفس على هذا النوع من السعادة وتمّ لها هذا الكمال فقد اوت إلى جنة المأوى وسكنت دار القرار . فإذا آل الأمر بالنفوس الجزئية إلى الكمالات اللائقة بها ووصلت إلى السعادات التي كانت مستعدة لها ارتفع العالم الجسماني وكانت القيامة الكبرى والطامة العظمى وهلك كل شيء ، كما جاء في التنزيل : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ « 1 » . ثم إنّ بعض هؤلاء من يزعم أنّ البارئ تعالى والمبادئ العقلية يستأنفون خلق عالم آخر جسماني ونفوس أخرى على سبيل الإبداع ثم إنّها تستكمل في تلك الأجسام كما قال البارئ تعالى : كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ « 2 » . فهؤلاء أفاضل الحكماء والملّيين القائلين بالنقل ، هم القائلون بالمعاد الجسماني ويدّعون بأنّا غير مخالفين للشرائع الإلهية بل نحن الذين عرفنا أسرار الشرع وفهمنا مقاصد أربابه ؛ ولنا مزية فضيلة على غيرنا ممن لم يفهم ذلك من أرباب الظواهر الذين لم يفهموا هذه التفاصيل التي فهمناها نحن لعجزهم وقصور أفهامهم عن ما فهمناه وتصوّرناه . ثم إنّ هؤلاء يجيبون عن قول المانعين عن النقل ، بأنّ كل بدن يستحق بمزاجه الخاص حدوث نفس جديدة تفاض « 3 » عليه من المفارق ؛ فإنّ البدن إذا تمّ استعداده لقبول نفس وجب إفاضتها من الواهب ، إذ لا بخل في تلك الجواهر الفياضة ؛ وعدم الفيض أحيانا إنّما هو لعدم استعداد القابل فحسب ، وإلّا
--> ( 1 ) . سورهء قصص ، آيهء 88 . ( 2 ) . سورهء أنبياء ، آيهء 104 . ( 3 ) . ن : نفاض .