شمس الدين الشهرزوري

13

رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية

وفي هذا العلم يذكر تقاسيم الوجود « 1 » وأحكام كل قسم من تلك الأقسام . فلمّا ذكر في موضعه وأبطل ما ظنّ أنّه موضوع ، ناسب ذلك البحث تقسيمه إلى أقسامه العرضية وذكر أحكام تلك الأقسام وتبيّن « 2 » مبادئ العلوم الجزئية ؛ فلهذا السبب قدّم العلم الكلي على العلم الإلهي . ولا يوجد هذا التناسب في العلم الطبيعي ولا في غيره . ومن أعطى تقاسيم الوجود في العلم الكلي حقّها ، أمكنه أن يأتي في التقاسيم على جميع قواعد العلم الطبيعي والرياضي والإلهي والخلقي ، بحيث تصير العلوم كلها علما واحدا ، كما كان موجودا في قديم الزمان قبل ظهور أرسطو . وإنّما فصّلت الحكماء هذه العلوم بعضها عن بعض ، لأنّ التفصيل أسهل وأليق في التعلم والتعليم ؛ وذلك لأنّ العلوم لو لم تفصّل وترتّب على ما هي عليه الآن ، بل كانت كلها علما واحدا ، وابتدأ في التعليم من الكلي الأعمّ الذي هو الوجود والمبادئ الأوّل البعيدة عن الحسّ والخيال وغريزة النفس الضعيفة عن إدراك ذلك بسبب تعلقها بالمواد وحصول آثارها فيها ، فتعجز النفس عن إدراك الأمور الكلية العامة والمبادئ الأوّل البعيدة من أوّل وهلة من غير أن يسبقه رياضة وتنبّه واستيناس بالعلوم الجزئية ؛ وأمّا إذا ابتدأ الطالب بالتعليم بما هو أقرب « 3 » إلى غريزة النفس وطبيعتها وهي المحسوسات ، فيستعين بالحس ويعرف بذلك ما هو قريب منه ويتسلّم مبادئه ومبادئ ما يقرب منه ، حتى يحصل له بهذا الطريق العلوم الجزئية ؛ فإذا استبصر بها ترقّى منها إلى « العلم الأعلى » الذي ليس فوقه علم ، وهو الذي يتبيّن فيه جميع مبادئ العلوم الجزئية ؛ فيتحقق عنده علم المبادئ ، ثمّ يكرّ راجعا في العلوم ممّا انتهى حتى يعود إلى ما ابتدأ منه ويسمّي القدماء هذا الرجوع ب « التعليم الحقيقي التحصيلي » .

--> ( 1 ) . ش : - لأنّ موضوعه الوجود من حيث هو وجود . وفي هذا العلم يذكر تقاسيم الوجود . ( 2 ) . ن ، ب : ويتبيّن . ( 3 ) . ش : الأقرب .