شمس الدين الشهرزوري
437
رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية
فهذه جملة صناعة الخطابة ، والخطيب « 1 » التام من أحاط بما ذكرنا ، ولكن يحتاج مع ذلك إلى قريحة وطبع ؛ فإنّ جماعة ممّن لا وقوف لهم على قوانين الخطابة خطبوا فأحسنوا ووعظوا فأقنعوا وأثّروا تأثيرا بالغا « 2 » . وخطب آخرون ممن وقف على هذه القوانين الكلية فقصروا ولم يجيدوا ؛ لأنّ القوانين « 3 » الكلية غير القرائح المطبوعة التي هي مرتاضة بجزئيات ذلك الفنّ الذي فيه الكلام ، والكلي « 4 » غير الجزئي . [ الجدل أفضل أم الخطابة ؟ ] واختلف الحكماء في أنّ الجدل أفضل أم الخطابة ، والحقّ أنّ الخطابة أفضل لوجوه : منها ، أنّ الجدل لا يفيد الإقناع للخواص ، لكون المقدمات غير يقينية ؛ ولا للعوام لدقة الأقيسة الجدلية ، فلا يفهمها العوام . ومنها ، أنّ العامي إذا عجز عن إلزام جدلي يحمله على جهله لا على قوة ذلك القياس ، فلا يفيد إقناعا حينئذ . ومنها ، أنّ الجدل خصومة وقهر و « 5 » الإنسان إذا عرف أنّ الغير يريد قهره وتعجيزه « 6 » ، يحمله ذلك على بغضه وعدم انقياده له ، فلا يحصل له الإقناع أصلا ؛ وقال تعالى : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ « 7 » أي البرهان « 8 » وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ أي الخطابة وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي الجدل ؛ فتأخير الجدل عن الخطابة يدل على أفضلية الخطابة . فالبرهان والخطابة يفيدان النفس الإقناع ؛ والجدل مصروف إلى
--> ( 1 ) . ب ، ت : - والخطيب . ( 2 ) . ن : بالغار . ( 3 ) . ت : - الكلية فقصروا ولم يجيدوا لأنّ القوانين . ( 4 ) . ت : - والكلي . ( 5 ) . ت : - و . ( 6 ) . ت : عجزه . ( 7 ) . سوره نحل ، آية 125 . ( 8 ) . ت ، ب : - أي البرهان .