أبو علي سينا
56
عيون الحكمة
يجب وجوده عن غيره فيتسلسل إليه ، فيكون حينئذ وجوده عن غيره واجبا حتى يوجد . فإذن الممكن لذاته ، ما لم يجب عن غيره ، لم يوجد . وإذا وجب عن غيره كان وجوده عن غيره واجبا عن ذلك الغير وواجبا له ، فيكون باعتبار نفسه ممكنا وباعتبار [ 21 ا ] غيره واجبا . الكلى لا وجود له من حيث هو واحد مشترك فيه في الأعيان ، وإلّا لكانت الإنسانية الواحدة بعينها مقارنة للأضداد . والأضداد إنما يمتنع اقترانها لا لأجل وحدة الاعتبار ، بل لأجل وحدة الموضوع ؛ فإنه لو كانت الأضداد تجتمع ، لكان اعتبار الشئ مع أحدهما غير اعتباره مع الثاني : فكان لون من حيث هو أسود لم يجتمع معه من حيث هو أبيض ، بل افترقا برفع ذلك ، فاجتماعهما مستحيل لأنه ليس يجوز أن يكون الواحد موصوفا بهما لا بشيء آخر . وكيف يتصوّر حيوان بعينه هو ذو رجلين وغير ذي رجلين ، ووحدتان هما وحدة واحدة في العدد فلا يكون واحدا بالذات ! - فالكلي إنما هو واحد بحسب الحدّ . ووجود الحدّ في النفس بأن يكون معنى معقول واحد بالعدد من حيث هو في نفس له إضافات كثيرة إلى أمور كثيرة من خارج ليس هو أولى بأن يطابق بعضها دون بعض . ومعنى المطابقة أن يكون لو كان هو بعينه في أي مادّة كانت لكان ذلك الجزئىّ أو أىّ واحد منها سبق إلى الذهن قبل الآخر أثّر هذا الأثر في النفس . وهذه الطبيعة إذا وجدت في الخارج ووجدت كثيرة ، فلا يخلو كل واحد من تلك الكثرة ، إذا وجد غير الآخر ، عن أن يكون لكونه تلك الكثرة أو لا لكونه تلك . فإن كان لأجل تلك الطبيعة ، كان يجب أن يكون كلّ واحد غير نفسه ، وكان يجب في كل شخص الكثرة ، إذ كان إنما هو كثير لأنه إنسان . فإذن الكثرة تعرض له بسبب ، ولو كان من كل واحد منها أنه تلك الطبيعة وأنه هو معنى واحد أو يلزم أحدهما الآخر ، لما كانت تلك الطبيعة إلا هو بعينه . وهذا المعنى في الجنس