أبو علي سينا
تصدير 6
عيون الحكمة
في الرأي حول الموضوع ومثار الجدل والنقد ، بل وطرق موضوعات شتى لا يتصل أكثرها بموضوع النص نفسه إلا من بعيد ، خصوصا إذا تغلبت ملكة الاستطراد - وتلك كانت حال القوم عامة في العصر الوسيط - فالتوى الشرح بصاحبها في دروب بعيدة المدى . وكم من نص بسيط كان فرصة لفلاسفة وشراح لاهوتيين وعلماء كلام ليعرضوا مذاهبهم الخاصة أو ليقدموا من المواد والمعلومات التاريخية ما فيه الفائدة كل الفائدة ، ولولاه لضاع الكثير من الأخبار عن مذاهب ومؤلفين فقدت كتبهم ! فالشروح التي كتبت على محاورة « طيماوس » لأفلاطون أو « ما بعد الطبيعة » لأرسطو في العصر اليوناني المتأخر ، خصوصا إبان الأفلاطونية المحدثة ، هي عوالم قائمة برأسها دون النصوص الأصلية . والشروح التي كتبها الفلاسفة المسيحيون في القرن الثالث عشر على كتاب « الجمّل » لبطرس اللومباردى Liber de Sententiae كانت خير مجال لكي يعرضوا مذاهبهم الخاصة والأمر كذلك في العالم الإسلامي ، وعلى صورة أظهر وأوسع . ويكفي أن نذكر هنا شروح الفخر الرازي على « عيون الحكمة » هذا الذي بين يديك ، وعلى « الإشارات والتنبيهات » لابن سينا أيضا وما هنالك من شروح تفرعت على هذا الشرح للكتاب الأخير كشرح نصير الدين الطوسي و « محاكمات » القطب الرازي التحتاني على شرحي الرازي والطوسي وما عقب على هذا كله من حواش وتعليقات تكاد لا تدخل تحت حصر . وما دام « عيون الحكمة » هكذا موجزا بسيطا ، فليس لنا أن ننتظر منه أن يأتي بجديد على التقليدى الأوّلى البسيط في الفلسفة الإسلامية التقليدية ، ولا أن يضيف شيئا إلى ما عرفناه من سائر مؤلفات ابن سينا . وإذن فهو لا يكشف جديدا مطلقا لا بالنسبة إلى الفلسفة الإسلامية ولا بالنسبة إلى ابن سينا نفسه . ففائدته تعليمية محض : أعنى أنه عرض للحكمة النظرية العامة والسيناوية بخاصة في أبسط صورها . فلا يطلبن أحد منه أكثر من هذا .