أبو علي سينا

21

عيون الحكمة

لم تكن الجهة موجودة لشئ « 1 » : فالعلو والسفل وما أشبه ذلك محدودة الأطراف ولا محالة أن حدّه بخلاء أو ملاء ، وستعلم أنه لا خلاء فهو إذن ملاء . وما يحدّ الجهة قبل الجهة ؛ ولو كانت الجهات متحدّدة فجسم واحد تكون إليه غاية قرب وغاية بعد محدودين . فإذا « 2 » الأجسام التي تحتاج إلى [ 7 ا ] جهات متحدّدة تحتاج إلى تقدم وجود هذا الجسم لها ، وأن يكون اختلاف جهاتها بالقرب منه والبعد منه ليس في جانب دون جانب منه إذ لا تختلف جوانبه بالطبع ، فيجب إذا أن تكون « 3 » حاله في إثبات الجهة حال مركز أو محيط ، لكن المركز يحدّد القرب ولا يحدّد البعد ، لأن المركز الواحد يصلح مركزا لدوائر مختلفة الأبعاد ، فيجب أن يكون على سبيل المحيط ، فان المحيط الواحد كما يحدد القرب منه كذلك يحدّد البعد عنه ، وهو المركز الواحد المعيّن . ويجب أن يكون هذا الجسم غير مفارق لموضعه وإلّا فيحتاج إلى جسم آخر تتحدد به الجهة التي يحتاج إليها إذا أعيد إلى موضعه بطبعه أو غير طبعه . فإذن لا يكون لهذا الجسم مبدأ حركة مستقيمة لا بالقسر ولا بالطبع . والأجسام المستقيمة الحركة فإنها تحتاج إلى جهات ، وتكون جهاتها مختلفة بالقياس إليه : فمنها ما هو أخذ « 4 » نحوه فيكون متحركا من الوسط إلى المحيط ، ومنها ما يأخذ بالبعد عنه « 5 » فيكون من نحو المحيط إلى المركز . ولا يجوز أن يكون هذا الجسم مؤلفا من أجسام أقدم منه ، فإنها تكون حينئذ قابلة للحركة المستقيمة ، فيكون حينئذ محتاجا إلى جهات محصّلة ، فتكون الجهات موجودة دون وجود هذا الجسم وقبل تركيبه - وهذا خلف .

--> ( 1 ) كذا في شرح الفخر الرازي ( ص 69 ب ) . وفي ص : فلو كان حده التعنت إلى الجهة لم تحصل جهة لم تكن الجهة موجودة . وفي ب : فلو كان كلما أمعنت إلى الجهة لم تحصل جهة ، لم تكن الجهة موجودة . ( 2 ) ص : فإن . ( 3 ) ب : أن تكون تلك حاله في إثبات . . . ( 4 ) كذا في ب ؛ وفي ص : ما يأخذو نحوه ( 5 ) ب : وإما إلى جهة يأخذ بالبعد عنه .