أبو نصر الفارابي
88
آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها
مقصود القلب بالطبع . وذلك مثل صاحب دار الانسان ، فإنه يخدم الانسان في نفسه وتخدمه سائر أهل داره ، بحسب ما هو مقصود الانسان في الأمرين ، كأنه يخلفه ويقوم مقامه وينوب عنه ويتبدل فيما ليس يمكن أن يبدله الرئيس ، وهو المستولي على خدمة القلب في الشريف من أفعاله « 1 » . من ذلك ، أن القلب ينبوع الحرارة الغريزية ، فمنه تنبثّ في سائر الأعضاء ، ومنه تسترفد ، وذلك بما ينبث فيها عنه من الروح الحيواني الغريزي في العروق الضوارب . ومما يرفدها القلب من الحرارة إنما تبقى الحرارة الغريزية محفوظة على الأعضاء . والدماغ هو الذي يعدل الحرارة التي شأنها أن تنفذ إليها من القلب حتى يكون ما يصل إلى كل عضو من الحرارة معتدلا له . وهذا أول أفعال الدماغ وأول شيء يخدم به وأعمها للأعضاء « 2 » . ومن ذلك أن في الأعصاب صنفين : أحدهما آلات لرواضع القوة الحاسة الرئيسة التي في القلب في أن يحس كل واحد منها الحسّ الخاص به ، والآخر آلات الأعضاء التي تخدم القوة النزوعية التي في القلب ، بها يتأتّى لها أن تتحرك الحركة الإرادية . والدماغ يخدم القلب في أن يرفد أعصاب الحسّ ما يبقي به قواها التي بها يتأتى للرواضع أن تحسّ محفوظة عليها . والدماغ أيضا يخدم القلب في أن يرفد أعصاب الحركة الإرادية ما يبقي به قواها التي بها يتأتى للأعضاء الآلية الحركة الإرادية التي تخدم بها القوة النزوعية التي في القلب . فان كثيرا من
--> ( 1 ) تراتب أعضاء الجسم : القلب فالدماغ فالكبد فالطحال فأعضاء التوليد . ( 2 ) القلب ينوع الحرارة الغريزية في الجسم أو الروح الحيوانية والدماغ يعدل تلك الحرارة .