أبو نصر الفارابي

84

آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها

وكأن هذه الخمس هي منذرات تلك ، وكأن هؤلاء أصحاب أخبار ، كل واحد منهم موكل بجنس من الأخبار ، وبأخبار ناحية من نواحي المملكة . والرئيسة كأنها هي الملك الذي عنده تجتمع أخبار نواحي مملكته من أصحاب اخباره . والرئيسة من هذه أيضا هي في القلب « 1 » . والقوة المتخيلة ليس لها رواضع متفرقة في أعضاء أخر ، بل هي واحدة ، وهي أيضا في القلب ، وهي تحفظ المحسوسات بعد غيبتها عن الحس . وهي بالطبع حاكمة على المحسوسات ومتحكمة عليها ، وذلك أنها تفرد بعضها عن بعض ، وتركب بعضها إلى بعض ، تركيبات مختلفة ، يتفق في بعضها أن تكون موافقة لما حسّ ، وفي بعضها أن تكون مخالفة للمحسوس « 2 » . وأما القوة الناطقة ، فلا رواضع ولا خدم لها من نوعها في سائر الأعضاء ، بل انما رئاستها على سائر القوى المتخيلة ؛ والرئيسة من كل جنس فيه رئيس ومرءوس . فهي رئيسة القوة المتخيلة ، ورئيسة القوة الحاسة الرئيسة منها ، ورئيسة القوة الغاذية الرئيسة منها « 3 » . والقوة النزوعية ، وهي التي تشتاق إلى الشيء وتكرهه ؛ فهي رئيسة ، ولها خدم . وهذه القوة هي التي بها تكون الإرادة . فان الإرادة هي نزوع إلى ما أدرك وعن ما أدرك ، إما بالحس ، وإما

--> ( 1 ) القوة الحاسة رئيسها القلب أيضا وأعضاؤها الحواس الخمس ، تنقل أخبار العالم الخارجي إلى القلب . ( 2 ) القوة المتخيلة مركزها القلب ولا أعضاء لها ، تحفظ صور المحسوسات وتركبها . ( 3 ) القوة الناطقة مركزها القلب ، وهي ترأس الغاذية والمتخيلة والحاسة .