أبو نصر الفارابي

76

آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها

أولى من وجود الآخر ، ولا بقاء أحدهما أولى من بقاء الآخر ، إذ كان لكل واحد منهما قسم من الوجود والبقاء « 1 » . وأيضا فإن المادة الواحدة لما كانت مشتركة بين ضدين ، وكان قوام كل واحد من الضدين بها ، ولم تكن تلك المادة أولى بأحد الضدين دون الآخر ، ولم يمكن أن تجعل لكليهما في وقت واحد ، لزم ضرورة أن تعطى تلك المادة أحيانا هذا الضد ، وأحيانا ذلك الضد ، ويعاقب بينهما ، فيصير كل منهما كأنّ له حقا عند الآخر ، ويكون عنده شيء ما لغيره ، وعند غيره شيء هو له ؛ فعند كل واحد منهما حق ما ينبغي أن يصير إلى كل واحد من كل واحد ؛ فالعدل في هذا أن توجد مادة هذا ، فتعطى ذلك ، أو توجد مادة ذلك ، فتعطى هذا ؛ ويعاقب ذلك بينهما . فلأجل الحاجة إلى توفية العدل في هذه الموجودات ، لم يكن أن يبقى الشيء الواحد دائما على أنه واحد بالعدد ؛ فجعل بقاؤه الدهر كله على أنه واحد بالنوع . ويحتاج في أن يبقى واحدا بالنوع إلى أن يوجد أشخاص ذلك النوع مدة ما ، ثم تتلف ويقوم مقامها أشخاص أخر من ذلك النوع ، وذلك على هذا المثال دائما « 2 » . وهذه منها ما هي اسطقسات ، ومنها ما هي كائنة عن اختلاطها . والتي هي عن اختلاطها ، منها ما هي عن اختلاط أكثر تركيبا ، ومنها ما هي عن اختلاط أقل تركيبا . وأما الاسطقسات فان المضاد المتلف

--> ( 1 ) وسبب تعاقب الصور على المادة هو تضاد الصور وقبول المادة لتلك الأضداد . ( 2 ) الأشخاص تتلف ولكن النوع يبقى .