أبو نصر الفارابي
46
آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها
يكون لنا ذلك عن جلّ الأشياء التي تكون منا ، مثل أنا باعطائنا المال لغيرنا نستفيد من غيرنا كرامة أو لذة أو غير ذلك من الخيرات ، حتى تكون تلك فاعلة فيه كمالا ما . فالأول ليس وجوده لأجل غيره ، ولا يوجد بغيره ، حتى يكون الغرض من وجوده أن يوجد سائر الأشياء ، فيكون لوجوده سبب خارج عنه ، فلا يكون أولا ، ولا أيضا باعطائه ما سواه الوجود ينال كمالا لم يكن له قبل ذلك خارجا عما هو عليه من الكمال ، كما ينال من يجود بماله أو شيء آخر ، فيستفيد بما يبذل من ذلك لذة أو كرامة أو رئاسة أو شيئا غير ذلك من الخيرات « 1 » ؛ فهذه الأشياء كلها محال أن تكون في الأول ، لأنه يسقط أوليته وتقدمه ، ويجعل غيره أقدم منه وسببا لوجوده ، بل وجوده لأجل ذاته ؛ ويلحق جوهره ووجوده ويتبعه أن يوجد عنه غيره . فلذلك وجوده الذي به فاض الوجود إلى غيره هو في جوهره ، ووجوده الذي به تجوهره في ذاته ، هو بعينه وجوده الذي به يحصل وجود غيره عنه . وليس ينقسم إلى شيئين ، يكون بأحدهما تجوهر ذاته وبالآخر حصول شيء آخر عنه ، كما أن لنا شيئين نتجوهر بأحدهما ، وهو النطق ، ونكتب بالآخر ، وهو صناعة الكتابة ، بل هو ذات واحدة وجوهر واحد ، به يكون تجوهره وبه بعينه يحصل عنه شيء آخر . ولا أيضا يحتاج في أن يفيض عن وجوده وجود شيء آخر إلى شيء غير ذاته يكون فيه ، ولا عرض يكون فيه ، ولا حركة يستفيد بها حالا لم يكن له ، ولا آلة خارجة عن ذاته ، مثل ما تحتاج النار ، في
--> ( 1 ) وجود الموجودات ليس سببا الله أو غاية له .