أبو نصر الفارابي
31
آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها
وإن كان الأول له ضد فهو من ضده بهذه الصفة ، فيلزم أن يكون شأن كل واحد منهما أن يفسد ، وأن يمكن في الأول أن يبطل عن ضده ، ويكون ذلك في جوهره « 1 » . وما يمكن أن يفسد فليس قوامه وبقاؤه في جوهره ، بل يكون جوهره غير كاف في أن يبقى موجودا ؛ ولا أيضا يكون جوهره كافيا في أن يحصل موجودا ، بل يكون ذلك بغيره . واما ما أمكن أن لا يوجد فلا يمكن أن يكون أزليا ، وما كان جوهره ليس بكاف في بقائه أو وجوده ، فلوجوده أو بقائه سبب آخر غيره ، فلا يكون أولا . وأيضا فإن وجوده إنما يكون لعدم ضده . فعدم ضده اذن هو سبب وجوده ، فليس إذن هو السبب الأول على الاطلاق « 2 » . وأيضا فإنه يلزم أن يكون لهما أيضا حيث ما مشترك ، قابل لهما ، حتى يمكن بتلاقيهما فيه أن يبطل كل واحد منهما الآخر ، إما موضوع أو جنس أو شيء آخر غيرهما ؛ ويكون ذلك ثابتا ، ويتعاقب هذان عليه . فلذلك إذن هو أقدم وجودا من كل واحد منهما « 3 » . وإن وضع واضع شيئا غير ما هو بهذه الصفة ضدا لشيء ، فليس الذي يضعه ضدا ، بل مباينة أخرى سوى مباينة الضد ؛ ونحن لا ننكر
--> ( 1 ) إذا كان الأول له ضد فتضادهما يكون في الجوهر ، ويلحقه البطلان والفساد . ( 2 ) وما كان جوهره غير كاف لوجوده أو بقائه يحتاج إلى سبب لوجوده فلا يكون أولا ثم لا يكون أزليا . ( 3 ) يلزم الضدين موضوع أو جنس يتعاقبان عليه ويكون هذا الموضوع أو الجنس أقدم منهما .