أبو نصر الفارابي
26
آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها
ولا يمكن أن يكون له وجود بالقوة ، ولا على نحو من الأنحاء ، ولا امكان أن لا يوجد ولا بوجه ما من الوجوه « 1 » . فلهذا هو أزلي ، دائم الوجود بجوهره وذاته ، من غير أن يكون به حاجة في أن يكون أزليا إلى شيء آخر يمد بقاءه ، بل هو بجوهره كاف في بقائه ودوام وجوده . ولا يمكن أن يكون وجود أصلا مثل وجوده ، ولا أيضا في مثل مرتبة وجوده وجود يمكن أن يكون له أو يتوافر عليه . وهو الموجود الذي لا يمكن أن يكون له سبب به ، أو عنه ، أو له كان وجوده . فإنه ليس بمادة ، ولا قوامه في مادة ولا في موضوع أصلا . بل وجوده خلو من كل مادة ومن كل موضوع ، ولا أيضا له صورة ، لأن الصورة لا يمكن أن يكون الا في مادة ، ولو كانت له صورة لكانت ذاته مؤتلفة من مادة وصورة ، ولو كان كذلك لكان قوامه بجزئيه اللذين منهما ائتلف ، ولكان لوجوده سبب ، فان كل واحد من أجزائه سبب لوجود جملته ، وقد وضعنا أنه سبب أول . ولا أيضا لوجوده غرض وغاية حتى يكون ، انما وجوده ليتم تلك الغاية وذلك الغرض ، والا لكان يكون ذلك سببا ما لوجوده ، فلا يكون سببا أولا . ولا أيضا استفاد وجوده من شيء آخر أقدم منه ، وهو من أن يكون استفاد ذلك مما هو دونه أبعد « 2 » .
--> ( 1 ) وهو موجود بالفعل لا بالقوة . ( 2 ) وليس لوجوده علة مادية أو صورية أو غائية أو فاعلة .