أبو نصر الفارابي

162

آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها

وعلى الرأيين جميعا ، يرون ابطال هذا الوجود المشاهد ، ليحصل ذلك الوجود . فان الانسان هو أحد الموجودات الطبيعية ، وإن الوجود الذي له الآن ليس هو وجوده الطبيعي ؛ بل وجوده الطبيعي وجود آخر غير هذا ، وهذا الذي له الآن مضاد لذلك الوجود وعائق عنه ؛ وان الذي للانسان هو اليوم من الوجود فشئ غير طبيعي . فقوم رأوا أن اقتران النفس بالبدن ليس بطبيعي ، وأن الانسان هو النفس ؛ واقتران البدن إليها مفسد لها مغيّر لأفعالها ، والرذائل إنما تكون عنها لأجل مقارنة البدن لها ، وان كمالها وفضيلتها أن تخلص من البدن ؛ وأنها في سعادتها ليست تحتاج إلى بدن ، ولا أيضا في أن تنال السعادة تحتاج إلى بدن ولا إلى الأشياء الخارجة عن البدن ، مثل الأموال والمجاورين والأصدقاء وأهل المدينة ؛ وان الوجود البدني هو الذي يحوج إلى الاجتماعات المدنية وإلى سائر الأشياء الخارجة . فرأوا لذلك أن يطرح هذا الوجود البدني « 1 » . وآخرون رأوا أن البدن طبيعي له ، ورأوا أن عوارض النفس هي التي ليست طبيعية للانسان ، وأن الفضيلة التامة ، التي بها تنال السعادة ، هي إبطال العوارض وإماتتها . فقوم رأوا ذلك في جميع العوارض ، مثل الغضب والشهوة وأشباههما ، لأنهم رأوا أن هذه هي أسباب ايثار هذه التي هي خيرات مظنونة ، وهي الكرامة واليسار واللّذات ؛ وأن إيثار الغلبة انما يكون بالغضب وبالقوة الغضبية ،

--> ( 1 ) النفس تنال السعادة بالتخلص من البدن والرغبة من الأشياء الدنيوية كالأموال والأصدقاء .