أبو نصر الفارابي
153
آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها
أن يقهر ما اتفق منها . والمقهور إما أن يقهر على سلامة بدنه ، أو هلك وتلف ، وانفرد القاهر بالوجود ؛ أو قهر على كرامته وبقي ذليلا ومستعبدا ، تستعبده الطائفة القاهرة ويفعل ما هو الأنفع للقاهر في أن ينال به الخير الذي عليه غالب ويستديم به . فاستعباد القاهر للمقهور هو أيضا من العدل . وأن يفعل المقهور ما هو الأنفع للقاهر هو أيضا عدل . فهذه كلها هو العدل الطبيعي ، وهي الفضيلة . وهذه الأفعال هي الأفعال الفاضلة فإذا حصلت الخيرات للطائفة القاهرة فينبغي أن يعطى من هو أعظم غناء في الغلبة على تلك الخيرات من تلك الخيرات أكثر ، والأقل غناء فيها أقلّ . وان كانت الخيرات التي غلبوا عليها كرامة ، أعطي الأعظم غناء فيه كرامة أكبر ، وان كانت أموالا أعطي أكثر . وكذلك في سائرها . فهذا هو أيضا عدل عندهم طبيعي « 1 » . قالوا : وأما سائر ما يسمّى عدلا ، مثل ما في البيع والشراء ، ومثل ردّ الودائع ، ومثل أن لا يغضب ولا يجور ، وأشباه ذلك ، فان مستعمله انما يستعمله أولا لأجل الخوف والضعف وعند الضرورة الواردة من خارج . وذلك أن يكون كل واحد منهما كأنهما نفسان أو طائفتان مساوية ( إحداهما ) في قوتها للأخرى ، وكانا يتداولان القهر . فيطول ذلك بينهما ؛ فيذوق كل واحد الأمرين ، ويصير إلى حال لا يحتملها ، فحينئذ يجتمعان ويتناصفان ، ويترك كل واحد منهما للآخر مما كانا يتغالبان عليه قسطا ما ؛ فتبقى سماته ، ويشرط كل واحد منهما على
--> ( 1 ) علاقات الأمم تقوم على التغالب والقهر .