أبو نصر الفارابي

145

آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها

الحق ، وجعل في مرتبة المقلّدين للحكماء ؛ فإن لم يقنع بذلك وتشوّق إلى الحكمة ، وكان في نيته ذلك ، علمها « 1 » . وصنف آخرون بهم أغراض ما جاهلة ، من كرامة ويسار أو لذّة في المال وغير ذلك ، ويرى شرائع المدينة الفاضلة تمنع منها ، فيعمد إلى آراء المدينة الفاضلة فيقصد تزييفها كلها ، سواء كانت مثالات للحق ، أو كان الذي يلقى إليه منها الحق نفسه . أما المثالات فتزييفها بوجهين : أحدهما بما فيه من مواضع العناد ، والثاني بمغالطة وتمويه . واما الحق نفسه فبمغالطة وتمويه ؛ كل ذلك لئلا يكون شيء يمنع غرضه الجاهلي والقبيح . وهؤلاء ليس ينبغي أن يجعلوا أجزاء المدينة الفاضلة « 2 » . وصنف آخر تتزيّف عندهم المثالات كلها لما فيها من مواضع العناد ، ولأنهم مع ذلك سيئو الإفهام ، يغلطون أيضا عن مواضع الحق من المثالات ، فيتزيّف منها عندهم ما ليس فيها موضع للعناد أصلا . فإذا رفعوا إلى طبقة الحق حتى يعرفوها ، أضلّهم سوء أفهامهم عنه ، حتى يتخيلوا الحق على غير ما هو به ، فيظنّون أيضا أن الذي تصوروه هو الذي ادّعى الحق أنه هو الحق ؛ فإذا تزيّف ذلك عندهم ، ظنوا أن الذي تزيّف هو الحق الذي يدعى أنه الحق لا الذي فهموه هم ؛ فيقع لهم لأجل ذلك أنه لا حق أصلا ، وأن الذي يظنّ به أنه أرشد إلى الحق

--> ( 1 ) المسترشد المقلد للحكماء . ( 2 ) القاصد إلى تزييف الحقيقة من أهل المدن الجاهلة .